وائل قنديل
كاتب صحافي مصري
في وقته تمامًا، يأتى نداء العقل والضمير الذي أطلقه شيخ الأزهر الشريف أحمد الطيب، "إلى كل الأشقاء في دولنا العربية والإسلامية كافة، بضرورة تغليب روح الأخوة وروابط الدين والدم واللغة، وإعلاء صوت الحكمة، والاحتكام إلى لغة العقل والحوار، والوقف الفوري والشامل لكل أعمال الحرب والقتال والتَّدمير والتَّخريب التي تستنزف مقدَّرات الشُّعوب وتُزهق أرواح الأبرياء". ... ينطلق النداء في مرحلة دخول حرب اليمن مرحلة شديدة الوعورة لن ينجو منها أحد، وليت هذا الكيان الذي يسمّى جامعة الدول العربية يسير علي خطى الأزهر، ويطلق مبادرة سياسية توقف هذا الاندفاع نحو جحيم لا يريده إلا أعداء هذه المنطقة، بعد الإعلان رسميًّا عن اتساع الصراع، مع دخول القاهرة طرفًا في الحرب. والحال كذلك، فإن من شأن إقحام المقدّسات الإسلامية ضمن الحيثيات التي يبرّر بها مجلس الدفاع الوطني المصري وضع قواته وإمكانياته تحت طلب السلطات السعودية في الصراع اليمني أن يأخذ القضية إلى مرحلة خطيرة من التعقيد، أغلب الظن أنها ليست في مصلحة أيٍّ من الأطراف.
في البيان الرسمي الصادر عن القاهرة أمس حديث عن"كافة أشكال الدعم اللازمة والممكنة للمملكة للدفاع عن أمنها واستقرارها، وصوْن مقدراتها وسلامة أراضيها والمقدّسات الإسلامية" على نحوٍ يشي بأن الصراع ديني في أحد جوانبه، وكأن جماعة أنصار الله (الحوثيين) تضع في بنك أهدافها إلحاق الأذى بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، أو كأن لديها أطماعًا في السيطرة عليهما، وهذا مخالفٌ للواقع، إذ أكد الحوثيون مرارًا إخراج مكة المكرمة والمدينة المنورة من دائرة الصراع، فضلًا عن أنه مهما كانت درجة الخلاف معهم فإنهم ليسوا من خارج العالم الإسلامي، كما أنهم ليسوا في عداءٍ معه. والأهم من ذلك كله أن الصراع من أوله إلى آخره سياسي وعسكري، وإن اتسم بشيءٍ من التراشق الطائفي. إذن، نحن بصدد معادلاتٍ سياسيةٍ وعلاقات مصالح استراتيجية واقتصادية بعيدة كل البعد عن أن يتطلب تسويقها الاختباء خلف عباراتٍ من نوعية "الدفاع عن المقدّسات الإسلامية"، ذلك أنه بهذا المعيار يمكن إدانة الحكومات العربية الإسلامية كلها بخيانة واحد من أهم هذه المقدسات الإسلامية والتواطؤ على إهانتها، بالنظر إلي تركها المسجد الأقصى المبارك في فوّهة الإجرام الصهيوني والاعتداءات اليومية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي، أفرادًا ومؤسّسات، إلي الحد الذي باتت معه الحكومة الصهيونية تعلن على لسان نتنياهو منذ سنوات "نستطيع هدم الأقصى، لو أردنا هذا"، ناهيك عن الاقتحامات اليومية لباحات الأقصى من وزير الأمن الصهيوني إيتمار بن غفير وإعلانه المتكرّر عن خطط للهدم وإنشاء كنيس يهودي مكانه، في الوقت الذي يمنع فيه الفلسطينيون من دخول المسجد.
ليس خافيًا على أحد أن المقاومة الفلسطينية أطلقت عملية طوفان الأقصى قبل أكثر من سنوات رد فعل طبيعيًّا على مخططات الكيان الصهيوني انتزاع أولي القبلتين وثالث الحرمين الشريفين من المسلمين وفرض السيطرة عليه، وسط صمت متواطئ من الأشقاء العرب القريبين والبعيدين، والذين ذهب أقربهم إلى العدو لكي يبلغ عن اعتزام المقاومة الفلسطينية شنّ عملية ضده، وهو ما لا يمكن تعريفه بغير التخابر مع العدو ضد الشقيق. والشاهد هنا أن حكومات هذه الأمة التي تسمي نفسها عربية وإسلامية أشاحت بوجها عن الأقصى المقدس حين أطلق طوفانه، ومنها من اختارت الوقوف في صف العدو ضد الشقيق، ولم نسمع أن شقيقة كبرى أو صغرى غضبت وبادرت بنجدة "المقدّسات الإسلامية" في فلسطين المحتلة، أو عرضت خدماتها أو وضعت قواتها تحت الطلب، وأعلنت أنها رهن إشارة فلسطين لكي تتحرك للدفاع عنها.
تشهد القدس كما تشهد غزة الشهيدة على خذلان هذه الأمة للمقدسات والدماء الإسلامية، إذ كانت تظن أن طوفان 7 أكتوبر (2023) سيوقظ الأمة الحريصة على مقدّساتها ويوفر لها فرصة نادرة للتحرّر من قيود التبعية للمشيئة الأميركية والتصالح مع شعوبها التي قرأت منذ اليوم الأول أن الطريق إلى التحرير قد انفتح، وتصوّرت أن بالإمكان أن يُسمح لها بالحضور في معركة المصير، غير أنها سرعان ما اكتشفت أن عداء الحكومات العربية للمقاومة لا يقلّ عن كراهية الاحتلال الصهيوني لها.
أما وأنهم جميعهم خذلوا المقدسات في فلسطين، فليس من حقّ أحدٍ أن يتذرّع بهذه المقدّسات في الأراضي السعودية، لكي يبرّر أهدافًا سياسية واقتصادية، ذلك أن من شأن ذلك أن يؤجّج حريقًا بين مكونات العالم الإسلامي لن يبقي ولن يذر، ولن يفيد منه إلا العدو الأول والوحيد للجميع الذي يحكم قبضته على المسجد الأقصى، من دون أن يتصدى له أحد.

