تتصاعد استغاثات آلاف المصريين أمام منافذ التأمين الصحي الحكومية، بعد اختفاء تام لأدوية الأمراض المزمنة، مما يضع حياة ملايين الفقراء وكبار السن على حافة الهلاك اليومي دون تحرك حكومي جاد لإنقاذهم من الموت.
وتكبد هذه الأزمة الخانقة أسر المرضى أعباء مالية مستحيلة، حيث تضطرهم ندرة الإنسولين وأدوية الجلطات إلى طرق أبواب السوق السوداء، وسط صمت رسمي يتجاهل أبسط حقوق المواطنين الدستورية في الرعاية الصحية والعلاج الآمن.
انقطاع الإنسولين وأدوية القلب يهدد المرضى
في هذا السياق، انهالت مئات الشكاوى الغاضبة على مجلس النواب خلال شهر أكتوبر الجاري، بعد تفاقم العجز الشديد في الأدوية والمستلزمات الطبية الحيوية داخل مستشفيات وعيادات منظومة التأمين الصحي في كافة المحافظات المصرية.
علاوة على ذلك، تركزت صرخات الأهالي حول الانقطاع الكامل لحقن الإنسولين المخصصة لمرضى السكري، بالإضافة إلى اختفاء أدوية الضغط والقلب والجلطات، وهي أصناف دوائية لا يحتمل المريض تأجيل جرعاتها اليومية لساعة واحدة.
ومن جهته، تقدم النائب البرلماني عماد الغنيمي بطلب إحاطة عاجل إلى وزير الصحة والسكان، محذرا من التداعيات الكارثية لنقص هذه العقاقير الأساسية التي يعتمد عليها أصحاب الأمراض المزمنة للبقاء على قيد الحياة.
وبالإضافة إلى ما سبق، امتد الشلل الدوائي ليضرب مظلة التأمين الصحي المخصصة لطلاب المدارس، الأمر الذي يضاعف معاناة الأسر المصرية مع انطلاق العام الدراسي، ويحرم الأطفال المرضى من الرعاية العلاجية المقررة لهم قانونا.
وفي المقابل، تكتفي وزارة الصحة بإطلاق وعود إعلامية حول توافر المخزون الاستراتيجي، بينما يصطدم المرضى يوميا بردود الموظفين القاطعة حول نفاد الأصناف الدوائية، وعدم وجود جدول زمني واضح لتوريد الشحنات المتأخرة للمنافذ.
ونتيجة لذلك، يضطر أصحاب المعاشات الضئيلة إلى الاستدانة لشراء بدائل تجارية بأسعار مضاعفة من الصيدليات الخاصة، أو تقليص الجرعات الطبية المقررة، مما يعرضهم لخطر الإصابة بالجلطات الدماغية والغيبوبة السكرية القاتلة في أي لحظة.
وفي هذا الصدد، يوضح الدكتور محمد حسن خليل، منسق لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، أن ما تشهده منافذ التأمين الصحي يمثل تخلّيا صريحا من السلطة عن التزاماتها تجاه الفئات الأكثر احتياجا في المجتمع.
كما يضيف منسق لجنة الدفاع عن الحق في الصحة أن تقليص الإنفاق الفعلي على الدواء لصالح مشروعات غير عاجلة، أدى مباشرة إلى تجفيف منابع الإمداد الطبي، وترك ملايين المرضى يواجهون مصيرهم المظلم بمفردهم.
وفضلا عن ذلك، يؤكد خليل أن تحويل الرعاية الصحية من حق أصيل إلى سلعة خاضعة لحسابات الربح والخسارة في عهد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، دمر شبكة الأمان الدوائي التي كانت تحمي الفقراء.
إلى جانب ذلك، تتذرع الجهات الحكومية بارتفاع تكاليف الاستيراد لتبرير تقاعسها، متجاهلة أن حياة المواطن المصري يجب أن تتصدر أولويات الموازنة العامة، بدلا من إهدار المليارات في مسارات لا تخدم صحة الإنسان وكرامته.
تخبط السياسات الدوائية وفشل منظومة التوريد
وعلى صعيد متصل، يعود هذا الانهيار الدوائي المتكرر إلى غياب الرؤية الاستراتيجية في إدارة ملف الشراء الموحد، وعجز الأجهزة التنفيذية عن توفير العملة الأجنبية اللازمة لاستيراد المواد الخام الفعالة لتصنيع أدوية الأمراض المزمنة محليا.
وبسبب هذه السياسات، توقفت عشرات خطوط الإنتاج في شركات الأدوية الوطنية خلال الشهور الماضية منذ شهر يوليو وحتى شهر سبتمبر، بعد تراكم مديونيات الهيئات الحكومية وعجزها عن سداد مستحقات الموردين في المواعيد المحددة.
ومن ناحية أخرى، تسببت القرارات الاقتصادية المتلاحقة في رفع أسعار أكثر من 3000 صنف دوائي، دون أن ينعكس هذا الارتفاع على توافر العقاقير المنقذة للحياة داخل صيدليات التأمين الصحي التي باتت خاوية تماما.
وهكذا، تحولت هيئة الشراء الموحد من أداة لتأمين الاحتياجات الطبية إلى عقبة بيروقراطية تعرقل تدفق الإمدادات، نتيجة مركزية القرار المفرطة وغياب الرقابة الفعالة على آليات التوزيع والرقابة الدورية للمخزون في المحافظات البعيدة.
وحول هذه الأزمة، يشير الدكتور محيي عبيد، نقيب الصيادلة الأسبق، إلى أن إدارة ملف الدواء في مصر تعاني من عشوائية غير مسبوقة، أدت إلى ضرب الصناعة الوطنية في مقتل وتعميق التبعية للشركات الأجنبية.
ويتابع نقيب الصيادلة الأسبق أن تجاهل التحذيرات المبكرة بشأن تناقص مخزون الإنسولين وأدوية السيولة، يبرهن على غياب التخطيط العلمي داخل أروقة وزارة الصحة، والاكتفاء بسياسة المسكنات المؤقتة عند انفجار الغضب الشعبي والبرلماني.
وعلاوة على ما ذكر، يشدد عبيد على أن تسعير الدواء في مصر يخضع لضغوط الشركات الكبرى، بينما يتم إهمال تحديث مصانع قطاع الأعمال العام التي كانت تغطي نحو 40% من احتياجات التأمين الصحي.
وبناء على ذلك، فإن استمرار الاعتماد على الاستيراد دون توطين حقيقي لصناعة المواد الخام، سيبقي الأمن الدوائي المصري رهينة لتقلبات سعر الصرف، ويجعل حياة المرضى عرضة للخطر مع كل أزمة مالية جديدة.
وبالتوازي مع ذلك، تفاقمت أزمة نقص المستلزمات الطبية الأساسية مثل شرائط قياس السكر وأقلام الإنسولين وقساطر القلب، مما أصاب العمليات الجراحية العاجلة وفحوصات المتابعة الدورية لمرضى التأمين الصحي بشلل شبه تام في المستشفيات.
ورغم تلك الحقائق، تواصل البيانات الرسمية ترويج أرقام وهمية حول نجاح منظومة التأمين الصحي، في تناقض صارخ مع طوابير الإذلال التي يقف فيها كبار السن منذ الفجر أمام نوافذ الصرف دون جدوى.
تداعيات صحية خطيرة ومطالب بالإنقاذ العاجل
وفي غضون ذلك، حذر نواب في البرلمان من أن استمرار انقطاع هذه العقاقير الحيوية يهدد الاستقرار الصحي والاجتماعي، ويضع ملايين الأسر أمام ضغوط نفسية ومادية تفوق قدرتها على الاحتمال في ظل التضخم الراهن.
وتبعا لذلك، طالب البرلماني عماد الغنيمي بضرورة الوقوف على الأسباب الحقيقية وراء هذا العجز المريع، واتخاذ إجراءات فورية لضمان انتظام سلاسل الإمداد، مع منح الأولوية القصوى لأدوية السكري والقلب والضغط وطلاب المدارس.
وفي السياق ذاته، تتصاعد المخاوف الطبية من ارتفاع معدلات الوفيات المفاجئة والإعاقات الدائمة بين المرضى غير القادرين على شراء الدواء الحر، خاصة مع دخول فصل الشتاء الذي تزداد فيه مضاعفات أمراض القلب والأوعية.
ومن جانبه، يؤكد الدكتور علاء غنام، خبير السياسات الصحية، أن حرمان مرضى الأمراض المزمنة وطلاب المدارس من أدويتهم الأساسية يمثل انتهاكا خطيرا للحق في الحياة، ونتيجة حتمية لسياسات التقشف المفروضة على القطاع الصحي.
كما يوضح خبير السياسات الصحية أن حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي قلصت المخصصات الحقيقية للصحة مقارنة بالنسب الدستورية، مما أدى إلى تدهور كفاءة التأمين الصحي القائم، وعجزه عن الوفاء بالتزاماته تجاه المنتفعين.
وبالإضافة إلى ذلك، يرى غنام أن الحل الجذري يتطلب إعادة هيكلة أولويات الإنفاق العام فورا، وتوجيه الموارد المالية نحو تأمين المخزون الاستراتيجي من الأدوية الحيوية لمدة لا تقل عن 6 شهور قادمة.
ولذلك، لم يعد مقبولا الاكتفاء بتشكيل لجان وزارية لدراسة الأزمة على الورق، بينما تزهق أرواح المواطنين ببطء نتيجة غياب جرعة إنسولين أو قرص دواء يمنع تكون الجلطات القاتلة في شرايين المرضى الكادحين.
وختاما، تبقى حياة ملايين المصريين معلقة بقرار سياسي يعيد الاعتبار لحق المواطن في العلاج، ويوقف نزيف الإهمال الذي حوّل منافذ التأمين الصحي من ملاذ آمن للفقراء إلى شاهد جديد على انهيار الخدمات الأساسية.

