تتصاعد مأساة مستأجري شقق الإيجار القديم يوماً بعد يوم عقب صدور القانون الجائر الذي يقضي بإخلاء الشقق السكنية خلال 7 سنوات والوحدات الإدارية خلال 5 سنوات فقط، لتضع السلطة الملايين أمام مصير مجهول ومظلم.
وفي المقابل، تمتنع حكومة الانقلاب بقيادة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي عن بناء الوحدات البديلة الموعودة، مما يهدد الملايين بالتشريد في الشوارع لإرضاء صندوق النقد الدولي عبر برامج إفقار ممنهجة تهدف لإذلال المواطنين البسطاء.
عزوف شعبي يفضح وهم البدائل
وفي هذا السياق، سجلت منصة مصر الرقمية استكمال 108 آلاف مواطن فقط لاستمارات السكن البديل من بين أكثر من 1.5 مليون أسرة تسكن بنظام الإيجار القديم، وهو ما يعكس رفضاً شعبياً واسعاً لمشروعات السلطة.
وعلاوة على ذلك، يتمسك أصحاب وحدات الإيجار القديم بمواقفهم الرافضة للتقدم نحو تلك البدائل المزعومة، معلنين تمردهم على قرارات الإخلاء القسري ومؤكدين بقاءهم داخل مساكنهم مهما بلغت الضغوط الأمنية والتشريعية الممارسة ضدهم.
ومن ناحية أخرى، أعلنت مي عبد الحميد، الرئيس التنفيذي لصندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، أن إجمالي الذين استكملوا التسجيل بلغ 108 آلاف مواطن فقط، بينما فتحت حسابات إلكترونية لأكثر من 200 ألف مواطن.
وبالإضافة إلى ذلك، أظهرت البيانات الرسمية أن نحو 2000 مواطن فقط طلبوا وحدات بديلة للاستخدام التجاري والإداري، فيما تقدم باقي المسجلين للحصول على وحدات سكنية، وذلك قبل إغلاق باب التسجيل يوم 12 أكتوبر الحالي.
وتعليقاً على هذه الأرقام، يؤكد الدكتور عبد الخالق فاروق، الخبير الاقتصادي ومدير مركز النيل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن عزوف أكثر من 1.5 مليون أسرة يبرهن على انعدام الثقة التام في وعود السلطة الحالية.
ويضيف الخبير الاقتصادي أن إجبار المواطنين على إخلاء الوحدات السكنية خلال 7 سنوات والإدارية خلال 5 سنوات دون توفير بدائل فورية يعد جريمة اجتماعية مكتملة الأركان، تهدف إلى تسليع الحق في السكن وتدمير الأسر.
ومن جهته، يرى الدكتور صقر النور، أستاذ علم الاجتماع الريفي والحضري، أن توقف التسجيل عند 108 آلاف استمارة رغم فتح 200 ألف حساب على المنصة الرقمية يعكس وعي الشارع بزيف المشروعات الحكومية المطروحة حالياً.
كما يشدد أستاذ الاجتماع على أن التهديد بطرد الملايين بعد انتهاء مهلة 7 سنوات للسكن أو 5 سنوات للإداري سيؤدي حتماً إلى انفجار اجتماعي غير مسبوق، نتيجة غياب العدالة وانحياز السلطة السافر لكبار المستثمرين.
مماطلة حكومية تكرس جريمة التشريد
وفي غضون ذلك، تتقاعس حكومة الانقلاب عن تشييد أي وحدات للسكن البديل التي وعدت بها الأسر المهددة بالطرد، مفضلة الانتظار لتحديد أعداد الوحدات المطلوبة وطبيعتها ومواقعها الجغرافية قبل اتخاذ قرار البناء الذي يستغرق سنوات.
وبناءً على ذلك، خرجت مي عبد الحميد الرئيس التنفيذي لصندوق الإسكان الاجتماعي بتصريحات صحفية تزعم فيها أن البيانات المجمعة عبر الاستمارات ستساعد في توجيه المشروعات نحو المناطق التي يحتاج إليها المتقدمون، وهو ما يثبت غياب أي خطط تنفيذية جاهزة.
وفضلاً عن ذلك، تذرعت الرئيس التنفيذي لصندوق الإسكان الاجتماعي بأن السلطة لا تزال أمامها سنوات من المهلة القانونية البالغة 7 سنوات للسكن و 5 سنوات للإداري، لتبرير التقاعس عن توفير البدائل المناسبة للمستحقين الفعليين.
وفي السياق ذاته، تستعد أجهزة الانقلاب لفرز الطلبات المقدمة بعد يوم 12 أكتوبر لتحديد مدى الاستحقاق، مع التلويح برفض العديد من الملفات وإجبار أصحابها على الدخول في دوامة التظلمات وتقديم المستندات المعقدة لإثبات أحقيتهم.
وحول هذه المماطلة، يوضح المهندس يحيى شوكت، الباحث المتخصص في سياسات الإسكان والعمران ومدير مبادرة 10 طوبة، أن ربط بناء الوحدات بنتائج الحصر بعد إغلاق التسجيل في 12 أكتوبر يؤكد غياب الجدية الحكومية.
ويتابع الباحث العمراني أن إنشاء وحدات تكفي أكثر من 1.5 مليون أسرة أو حتى 108 آلاف متقدم يتطلب سنوات طويلة وميزانيات ضخمة تتجاهلها السلطة، التي تركز فقط على جباية الأموال وتصفية الإيجار القديم.
ومن جانبه، يشير الدكتور سيف الدين فرج، أستاذ التخطيط العمراني، إلى أن اشتراط فحص الطلبات ورفض بعضها بعد تسجيل 2000 طلب تجاري وإداري من إجمالي 108 آلاف يهدف لتقليص أعداد المستفيدين إلى الحد الأدنى.
كذلك يؤكد أستاذ التخطيط أن انتظار تحديد المواقع الجغرافية بعد مرور وقت طويل على تشريع الإخلاء المحدد بمدة 7 سنوات للسكن و 5 سنوات للإداري، يضع الآلاف أمام حقيقة التشريد الفعلي في الشوارع.
إملاءات دولية تدهس حق السكن
وعلى صعيد متصل، وضعت حكومة الانقلاب نفسها في مواجهة مفتوحة ومباشرة مع ملايين المواطنين المتمسكين بمساكنهم، وذلك في سبيل تنفيذ أجندة صندوق النقد الدولي تحت مسمى الإصلاح الاقتصادي الذي دمر الطبقة المتوسطة والفقيرة.
ونتيجة لذلك، تتحول الضوابط المنظمة التي وضعتها السلطة لفحص 108 آلاف استمارة من أصل 200 ألف حساب مفتوح على منصة مصر الرقمية، إلى أداة بيروقراطية لإقصاء المواطنين وحرمانهم من حقهم الدستوري في المأوى.
وبالتوازي مع ذلك، تتجاهل دوائر صنع القرار التابعة إلى قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي حالة الغليان الشعبي المتصاعدة، ماضية في تطبيق قوانين الإخلاء الجبري التي تهدد استقرار أكثر من 1.5 مليون أسرة مصرية.
ومع ذلك، تواصل المؤسسات الرسمية ترويج المزاعم حول وجود إطار تشريعي لمعالجة أزمة الإيجار القديم، بينما الواقع يثبت أن الإجراءات المتخذة منذ إغلاق التسجيل يوم 12 أكتوبر ليست سوى غطاء لتمرير عمليات الطرد.
وفي هذا الإطار، يؤكد الدكتور زهدي الشامي، الخبير الاقتصادي، أن السياسات المتبعة لإخلاء المساكن خلال 7 سنوات والمقرات الإدارية خلال 5 سنوات، تأتي استجابة لشروط المؤسسات المالية الدولية الرامية لرفع يد الدولة عن الدعم.
ويردف الخبير الاقتصادي أن تقليص التزامات السلطة ليقتصر التقديم على 108 آلاف مواطن بينهم 2000 للوحدات الإدارية والتجارية، يفضح نية النظام في التنصل من مسؤولياته الاجتماعية وترك الملايين فريسة لآليات السوق المتوحشة.
وبدوره، يوضح الأستاذ إلهامي الميرغني، الباحث الاقتصادي والاجتماعي، أن إفقار المصريين وإذلالهم عبر تهديدهم في مساكنهم يمثل جوهر البرنامج الاقتصادي لحكومة الانقلاب، التي لم تبنِ وحدة بديلة واحدة رغم اقتراب مواعيد الإخلاء القانونية.
واستكمالاً لذلك، يشدد الباحث الاجتماعي على أن رفض أكثر من 1.5 مليون أسرة الانصياع لمنصة مصر الرقمية وإغلاقها في 12 أكتوبر الجاري على 108 آلاف طلب فقط، يمثل إعلان فشل مبكر لمخططات التهجير القسري.
وفي الختام يبقى الصراع محتدماً بين ملايين المستأجرين الرافضين لترك منازلهم وبين سلطة غاشمة تراهن على الوقت والقمع لتنفيذ الإخلاء خلال 5 إلى 7 سنوات، مما ينذر بعواقب وخيمة تهدد السلم المجتمعي بأكمله.

