صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجماته السياسية ضد النائبة الديمقراطية عن ولاية مينيسوتا إلهان عمر، مطالباً إياها بتقديم استقالتها فوراً من الكونجرس عقب توجيه اتهامات مباشرة لها باستخدام اسم مزيف في أوراقها الرسمية.
وفي المقابل، ردت النائبة التقدمية بقوة على تلك الاتهامات، مؤكدة أن رئيس ما وصفته بحزب حماية المتحرشين بالأطفال يروج لنظريات مؤامرة يمينية متطرفة عبر وزارة العدل التي اعتبرتها الأكثر فساداً في التاريخ الأمريكي.
تفتيش فيدرالي ومزاعم تزوير الجنسية
ومن ناحية أخرى، نفذ عملاء فدراليون تابعون لوزارة الأمن الداخلي عملية تفتيش مفاجئة لمنزل النائبة ذات الأصول الصومالية في العاصمة واشنطن خلال الأسبوع الماضي، وذلك ضمن تحقيق فيدرالي يستهدف مراجعة ملف جنسيتها الأمريكية.
علاوة على ذلك، صادر العملاء الفدراليون هاتفها الشخصي وأجهزة الكمبيوتر الخاصة بها إلى جانب دفاترها وجواز سفرها، في خطوة تصعيدية غير مسبوقة ضد عضو منتخب يشغل مقعداً رسمياً داخل المؤسسة التشريعية للبلاد.
فضلاً عن ذلك، جاء هذا الاقتحام بعد مرور 9 أشهر فقط من تصريحات صحفية سابقة أدلى بها ترامب خلال شهر يناير، والتي دعا فيها صراحة إلى ضرورة طردها من الكونغرس وترحيلها خارج البلاد.
وبالإضافة إلى ذلك، نفذت السلطات الأمنية هذا الإجراء في الأسبوع الأخير من حملة إعادة انتخابها، مما يمثل انتهاكاً لمعيار وزارة العدل الذي يمنع اتخاذ إجراءات علنية ضد أي مرشح خلال 60 يوماً قبل الانتخابات.
ومن جهة ثانية، زعم حلفاء الرئيس الأمريكي أن والد النائبة الديمقراطية قد زوّر عمرها الحقيقي أثناء إجراءات تجنيسها قبل 26 عاماً، مدعين أنه سجل عمرها حينذاك عند 17 عاماً لتبقى فيوصيف القاصر قانونياً.
ومع ذلك، أكدت هيئة التحرير في صحيفة نيويورك تايمز عدم ادعائها معرفة مدى صحة مزاعم المتهمين، مشددة في الوقت ذاته على أن هذه التفاصيل الإجرائية لا تمثل القضية الرئيسية في هذا الصراع السياسي.
وبناءً على ذلك، نبهت الصحيفة إلى أن إعادة النظر في ملف تجنيس يعود إلى أكثر من ربع قرن مضى يعني أن الجنسية المكتسبة لم تعد بمنأى عن العقاب السياسي في الولايات المتحدة.
توظيف سحب الجنسية كسلاح استبدادي
وفي هذا السياق، حذرت الصحيفة الأمريكية في افتتاحيتها من أن ملاحقة الإدارة الحالية للنائبة الديمقراطية تعيد للأذهان أساليب الأنظمة الديكتاتورية، حيث طالما شكل سحب الجنسية من المعارضين السياسيين أداة تقليدية للقمع الاستبدادي الممنهج.
وعلى سبيل المثال، جرد الاتحاد السوفيتي السابق الكاتب المعارض البارز ألكسندر سولجينيتسين من جنسيته خلال عام 1974 قبل ترحيله قسراً إلى ألمانيا الغربية، عقاباً له على مواقفه السياسية ومؤلفاته الفكرية المناهضة للسلطة الحاكمة آنذاك.
وبالمثل، سحبت السلطات في تشيكوسلوفاكيا جنسية الكاتب الشهير ميلان كونديرا في عام 1979، بينما أقدمت حكومة نيكاراغوا قبل فترة وجيزة على تجريد أكثر من 300 معارض سياسي من جنسياتهم في خطوة قمعية مماثلة.
كذلك، اتخذت حكومتا ألمانيا الشرقية ورومانيا إبان فترة الحكم الشيوعي خطوات عقابية مشابهة ضد منتقديهما، وهو النهج ذاته الذي طبقته تشيلي في عهد أوغستو بينوشيه واليونان تحت وطأة دكتاتوريتها العسكرية.
وإلى جانب ذلك، لجأت الأنظمة الفاشية والنازية في كل من ألمانيا خلال عهد هتلر وإيطاليا في حقبة موسوليني إلى سلاح إسقاط الجنسية، بهدف تصفية الخصوم السياسيين وإسكات الأصوات المعارضة لسياسات الدولة الشمولية.
ولهذا السبب، شددت الافتتاحية على أن تفتيش منزل النائبة يجب أن يثير قلق جميع المواطنين الأمريكيين بغض النظر عن مدى اتفاقهم مع آرائها، كونه يمثل استخداماً لسلطة الحكومة الفيدرالية الهائلة لإسكات المنتقدين.
ونتيجة لذلك، اعتبرت الصحيفة هذا التحرك الأمني انتهاكاً صارخاً لحرية التعبير ومبدأ سيادة القانون والمبادئ الأمريكية الأساسية، مؤكدة أنه يمثل استمراراً لنهج الإدارة الحالية في تحويل إجراءات سحب الجنسية إلى سلاح سياسي.
وفي الواقع، بدأت الحكومة الأمريكية خلال شهري مايو وأوائل يونيو وحدهما إجراءات رسمية لسحب الجنسية من 33 شخصاً، وهو رقم قياسي يفوق إجمالي الحالات المسجلة في أي عام آخر منذ عام 2008 على الأقل.
تاريخ التحريض والعداء السياسي المستمر
ومن ناحية ثانية، تُصنف إلهان عمر بكل المقاييس خصماً سياسياً بارزاً للرئيس الأمريكي، إذ تعد من أكثر النواب تقدمية في الكونغرس وعضواً مؤسساً في التكتل التقدمي إلى جانب النائبة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز.
وفي المقابل، دأب ترامب على تشويه سمعتها علناً على مدار السنوات الـ 7 الماضية، مستخدماً في كثير من الأحيان أساليب عنصرية تهدف إلى بث الخوف وترويج الأكاذيب بشأن المهاجرين والمسلمين داخل المجتمع الأمريكي.
فقد نعتها الرئيس الأمريكي في مناسبات مختلفة بأوصاف قاسية شملت القمامة والحثالة والكارثة ومثيرة المشاكل والشخصية البغيضة، كما تعمد السخرية علناً من حجابها الإسلامي في إطار حملاته الكلامية المتكررة ضدها.
أضف إلى ذلك، طالبها ترامب مراراً بضرورة العودة إلى وطنها الأم الصومال، واصفاً إياه في تصريحاته العلنية بأنه بلد لا يحوي سوى الجريمة والفوضى والقذارة، لتبرير دعواته المستمرة لطردها من البلاد.
وعندما سأل مراسل صحيفة نيويورك تايمز تايلر بيجر الرئيس الأمريكي خلال مقابلة أجريت في شهر يناير عما إذا كان ينبغي سحب الجنسية الأمريكية من النائبة إلهان عمر، أجاب ترامب حينها بكلمة بالتأكيد.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أكد ترامب في المقابلة ذاتها أن عمر امرأة يجب طردها فوراً من الكونغرس وإعادتها إلى بلدها الأصلي الذي لطالما اشتكت منه، وفق تعبيره الصحفي الصريح.
ازدواجية إنفاذ القانون وتهديد الديمقراطية
وفي غضون ذلك، أشارت الصحيفة إلى أن ترامب يدلي أحياناً بتصريحات كاذبة تماماً حول خصومه، بينما تكون لتصريحاته صلة بالواقع في أحيان أخرى، لكنه يكرر مع المسؤولين المعينين من قبله استخدام القانون بانتقائية.
وعلى صعيد متصل، ضمت قائمة المنتقدين الذين استهدفتهم الإدارة بالتحقيق والملاحقة القضائية شخصيات بارزة، من بينها جون بولتون وإي. جين كارول وجيمس كومي وليزا كوك وكاسيدي هاتشينسون والجنرال مارك ميلي ومايلز تايلور.
وفي الوقت نفسه، تقاعست إدارة الرئيس الأمريكي عن تطبيق القانون بحزم ضد المجرمين العنيفين والخطيرين، بل وعمدت إلى إصدار قرارات عفو رئاسي عنهم طالما أعلنوا ولاءهم السياسي للرئيس الحالي.
وبالتالي، يثبت هذا السلوك أن الحكومة الفيدرالية قادرة على التنقيب عن أي مشكلة إدارية قديمة لملاحقة أي شخص ينتقد البيت الأبيض، وهي تكتيكات تستحضر فترات مظلمة من التاريخ السياسي للولايات المتحدة.
وتاريخياً، حاولت الحكومة الفيدرالية خلال موجات الخوف من الشيوعية في أوائل ومنتصف القرن الـ 20 سحب الجنسية من قادة العمال وغيرهم بتهمة التطرف، حيث ركزت تلك الحملات الأمنية غالباً على فئة المهاجرين.
وفي ذلك الوقت، استغل مسؤولون بارزون مثل أ. ميتشل بالمر وج. إدغار هوفر وجوزيف مكارثي تلك القضايا لإثارة الحماس المعادي للشيوعية، بهدف تبرير جهودهم الرامية إلى تقويض أسس الديمقراطية الأمريكية من الداخل.
وختاماً، حذرت الصحيفة من أن الرئيس الأمريكي يتبع حالياً نهجاً مشابهاً تماماً في تعامله مع قضية النائبة إلهان عمر، موجهة دعوة صريحة ومباشرة بضرورة إنهاء هذا التحقيق الفيدرالي معها بشكل فوري.

