تحدثت سورة الأنفال عن غزوة بدر بشيء من التفصيل، وتحدثت سورة آل عمران عن غزوة أحد، لكي تتعلم الأمة كثيرا من المفاهيم التي تتعلق بمفهوم القضاء والقدر، ومفهوم الحياة والموت، ومفهوم النصر والهزيمة، ومفهوم الربح والخسارة، ومفهوم الإيمان والنفاق، ومفهوم المحنة والمحق وغيرها من السنن الإلهية. 

ومن أبرز المفاهيم التي تعلمها الصحابة رضي الله عنهم من خلال أحداث بدر وأحد، ومن خلال تدبر سورتي الأنفال وآل عمران، قوانين النصر والهزيمة التي بينتها الآيات الكريمة بوضوح تام لترسم للأمة معالم طريق العزة والتمكين.

 

 

حقيقة النصر بين المشيئة الإلهية وإخلاص الراية
​
​
إن أول هذه القوانين الراسخة أن النصر ابتداء وانتهاء بيد الله عز وجل، وليس ملكا لأحد من الخلق، يهبه الله لمن يشاء ويصرفه عمن يشاء، مثله مثل الرزق والأجل والعمل، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 10].
​
​
وحين يقدر الله تعالى النصر، فلن تستطيع قوى الأرض كلها الحيلولة دونه، وحين يقدر الهزيمة، فلن تستطيع قوى الأرض أن تحول بينه وبين الأمة، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 160].
​
​
ولكن هذا النصر له نواميس ثابتة عند الله عز وجل نحن بحاجة ماسة إلى فقهها، فلابد أن تكون الراية خالصة لله سبحانه عند الذين يمثلون جنده، حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]، ويتحقق نصر الله في الاستجابة له، والاستقامة على منهجه، والجهاد في سبيله.

 

 

وحدة الصف والطاعة في مواجهة آفة التنازع وحب الدنيا
​
​
وتمثل وحدة الصف ووحدة الكلمة أساسا متينا في تحقيق النصر، بينما يعد تفريق الكلمة والاختلاف في الرأي دمارا وهزيمة محققة، وهو ما حذر منه الحق سبحانه بقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
​
​
وإلى جانب وحدة الكلمة، فإن طاعة أمر الله تعالى ورسوله (ﷺ) وعدم الخروج عليها أساس جوهري في النصر، أما المعصية ومخالفة الأمر فتقود حتما إلى الهزيمة، وقد جمع الله بين الأمر بالطاعة والنهي عن التنازع في قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
​
​
كما أن حب الدنيا والتهافت على حطامها يفقد الأمة عون الله ونصره، وهو الدرس البليغ الذي كشفته الآيات في توصيف ما جرى حين تغيرت النفوس أمام المغانم، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمَنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152].

 

 

فريضة الإعداد المتكامل وعوامل الثبات عند اللقاء
​
​
وتؤكد السنن القرآنية أن نقص العدد والعدة ليس هو سبب الهزيمة، فقد نصر الله المؤمنين رغم قلة عددهم وعتادهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123].
​
​
ولكن مع ذلك، لابد من بذل الجهد في الإعداد المادي والمعنوي لمواجهة العدو (الغضبان، د.ت، ص 461-462)، امتثالا لأمر الله في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 60].
​
​
ويبقى الثبات عند المواجهة، والصبر عند اللقاء، من العوامل الرئيسية الحاسمة في النصر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]، وقال تعالى محذرا من التراجع والفرار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: 15].

ولا شيء يعين على الثبات والصبر عند اللقاء مثل ذكر الله تعالى، وذلك باتجاه القلب إلى الله وحده منزل النصر، وطلب العون منه والتوكل عليه، وعدم الاعتماد على العدد أو العدة أو الذات، والتبرؤ من الحول والقوة، فهو عامل أساسي من عوامل النصر (الغضبان، د.ت، ص 463)، كما أكد ذلك البيان الإلهي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45].

 

.................................................

المراجع:

الصلابي، علي محمد، (2021)، السيرة النبوية، ج 2، ط11، دار ابن كثير، 2021، ص 122-123.

الغضبان، منير، (د.ت)، فقه السِّيرة النَّبويَّة، معهد البحوث العلميَّة، وإحياء التراث - مكَّة المكرَّمة.