مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
لا تتوقف تبعات قفزة سعر الدولار الحالية في مصر لأكثر من 56 جنيهًا اليوم الاثنين على مسألة إضعاف العملة المحلية والضغط بشدة على سوق الصرف الأجنبي، وإن كان هذا الأمر في منتهى الخطورة على الاقتصاد القومي، ولا تتوقف على تآكل المدخرات الوطنية بالبنوك، واندفاع بعض أصحاب الأموال والمودعين نحو حيازة الدولار وغيره من العملات الأجنبية على حساب الجنيه المصري الذي يضعف يومًا بعد يوم، ولا تتوقف عند تنامي مخاطر عودة السوق السوداء للعملة بعد اختفاء دام سنوات طويلة، وهي سوق خبيثة تطرد الاستثمارات الأجنبية وتهز ثقة المواطن في عملته، ولا عند هروب الأموال الساخنة التي هرب منها نحو 2.5 مليار دولار خلال الأيام الخمسة الأخيرة فقط، ولا عند ضعف القدرة الشرائية للمواطن التي تتآكل يومًا بعد يوم بسبب موجات الغلاء التي لا تتوقف وتأكل الأخضر واليابس وترفع مستويات الفقر وتضغط بشدة على الطبقة الوسطى.
بل إن قفزة الدولار تربك المجتمع المصري بكامله، اقتصاده وأسواقه وأنشطته الاقتصادية وقبلها المواطن الذي يئن من موجات تضخم متلاحقة وعنيفة، فالقفزة تجر كل أسعار السلع الرئيسية والخدمات نحو الارتفاع، وهو ما لمسناه خلال الأيام القليلة الماضية، فقد شهدت أسعار السلع المستوردة تامة الصنع زيادة فاقت 10%، مع زيادة الضغوط على كلفة الواردات بشكل عام ومنها أسعار المواد الخام والشحن والنولون، كما زادت أسعار السيارات، والأجهزة الكهربائية والمنزلية، والأدوات الصحية، والمنتجات الهندسية، وزادت أسعار المواد الخام، ومن بينها النحاس والألومنيوم، بنحو 20%، وهو ما يضغط على القطاع الصناعي.
وامتدت الزيادات في الأسعار إلى معظم السلع الغذائية، ومنها العدس والفول والسكر والأرز والمكرونة والدقيق وزيت الذرة وزيت عباد الشمس والجبن الأبيض، وذلك بشهادة "بوابة أسعار السلع" التابعة لمجلس الوزراء، التي رصدت هذا الأسبوع ارتفاع أسعار تسع سلع غذائية رئيسية، تصدرتها الزيادة الملحوظة في أسعار السمن الصناعي. وسبب الزيادات الجماعية ببساطة أن مصر تستورد نحو 70% من احتياجاتها من الخارج، وأن عجز الميزان التجاري فاق 60 مليار دولار في العام المالي الأخير، وأن أي زيادة في سعر الدولار يترجمها التجار والمستوردون إلى زيادة أكبر في أسعار السلع المتداولة في الأسواق حتى وإن كانت غير مستوردة.
سبق ارتفاع هذا الأسبوع قفزة بالأسعار خلال شهري سبتمبر وأكتوبر، حيث رفعت شركات الأغذية أسعار عدد كبير من السلع والمنتجات بنسبة تصل إلى 25%، بحجة زيادة كلفة الإنتاج والمواد الخام المستوردة، وارتفاع أسعار الأغذية العالمية بنسب تصل إلى 30% للقمح، وارتفاع كلفة الخامات والاضطرابات الجيوسياسية التي تسببت في حدوث قفزة بأسعار الشحن والتأمين. كما رفعت الشركات المصرية سعر طن السكر بنحو خمسة آلاف جنيه خلال سبتمبر، والدقيق الزيرو محليًا بنحو 25%، وهو ما يضغط بشدة على المواطن من باب زيادة كلفة إنتاج المخبوزات والخبز السياحي والفينو، ورفعت شركة المكرونة أسعار منتجاتها خلال أكتوبر بنسبة 13.3%، وخلال شهري مارس وإبريل 2026 رفعت شركات الأغذية أسعار السلع بنسبة وصلت إلى 30% مرة واحدة، مدفوعة بزيادة تكاليف الإنتاج الناجمة عن تداعيات الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز.
صحيح أن ضعف العملة المحلية أمام الدولار مفيد لبعض الاقتصادات، حيث إنه يساهم في تنشيط الإيرادات الدولارية وحصائل النقدي الأجنبي، لكن هذا لا ينطبق بشكل كبير على مصر، فالجنيه المصري فقد نحو 90% من قيمته خلال العقد الأخير متأثرًا بقرارات التعويم المتتالية وسفه الاقتراض الخارجي، ورغم ذلك لم نشهد طفرة كبيرة في إيرادات الصادرات والسياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة، بل رأينا ضغوطًا تضخمية عنيفة لا تتوقف، وارتفاعًا حادًا في هيكل الأسعار، واندفاع الأفراد نحو شراء الذهب والدولار والعقارات والسيارات وأصول أخرى في السنوات الأخيرة في محاولة للمحافظة على المدخرات ومواجهة مخاطر الغلاء.
بلا شك فإن الضغوط ستتزايد على الجنيه المصري في الفترة المقبلة على خلفية زيادة التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وهروب الأموال الساخنة، وزيادة أعباء الدين الخارجي، وزيادة كلفة الواردات، خاصة من منتجات الوقود والأغذية والسلع الوسيطة، وبلا شك أيضًا، فإن المواطن لم تعد لديه القدرة على تحمل تبعات قفزات الدولار وما يتبعها من تغذية موجة التضخم والضغط على القدرة الشرائية للمواطن وتكاليف الإنتاج.

