تتجه الأنظار إلى انتخابات الكنيست الإسرائيلي وسط انقسام سياسي حاد بشأن مستقبل بنيامين نتنياهو، بعد أربع سنوات شهدت تحولات عميقة في المشهد الداخلي، بدءا من أزمة التعديلات القضائية والاحتجاجات الشعبية، مرورا بالسابع من أكتوبر 2023 والحرب المدمرة على قطاع غزة، وصولا إلى اتساع المواجهات الإقليمية. ولا تقتصر أهمية الانتخابات على تحديد توزيع المقاعد البرلمانية، بل تمتد إلى اختبار قدرة نتنياهو على الاحتفاظ بالسلطة، ومدى استعداد خصومه لتشكيل حكومة بديلة، في ظل غياب ضمانات بحصول أي من المعسكرين على الأغلبية اللازمة للحكم. وتأتي الانتخابات في وقت تواجه فيه حكومة الاحتلال انتقادات متزايدة بشأن مسؤوليتها عن الإخفاقات الأمنية، ورفضها تشكيل لجنة تحقيق مستقلة، إلى جانب استمرار الانقسام بين التيارات العلمانية والليبرالية والأحزاب الدينية والقومية المتشددة. وفي المقابل، يحاول نتنياهو تقديم نفسه باعتباره الخيار الأقدر على إدارة المواجهات الأمنية، بينما يطرح منافسوه ضرورة تغيير القيادة السياسية واستعادة الثقة في المؤسسات. انتخابات تحت ضغط الأزمات الأمنية بدأ التصويت في انتخابات الكنيست السادس والعشرين صباح الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، بمشاركة نحو 7.3 ملايين ناخب، لاختيار أعضاء البرلمان البالغ عددهم 120 عضوا. وبحسب البيانات الواردة عن لجنة الانتخابات المركزية، يبلغ عدد أصحاب حق التصويت 7 ملايين و331 ألفا و981 ناخبا، فيما جرى تجهيز 12 ألفا و18 لجنة اقتراع ونحو 18 ألف صندوق انتخابي. وبدأ التصويت في السابعة صباحا، على أن يستمر حتى العاشرة مساء، بالتزامن مع نشر نحو 20 ألف عنصر من الشرطة الإسرائيلية لتأمين العملية الانتخابية، واستخدام قرابة 15 ألف كاميرا لمراقبة مراكز الاقتراع. وتجري الانتخابات وسط أجواء مشحونة أمنيا وسياسيا، بعدما أعلن جيش الاحتلال فرض طوق عسكري على الضفة الغربية المحتلة وإغلاق المعابر طوال يوم التصويت، بما يشمل منع دخول العمال الفلسطينيين وخروجهم من المناطق الصناعية والمستوطنات. ولا تنفصل هذه الأجواء عن المواجهات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، إذ تأتي الانتخابات بعد عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، والحرب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة، والتصعيد العسكري الذي امتد إلى لبنان وإيران، ما جعل القضايا الأمنية في صدارة النقاش الانتخابي. السابع من أكتوبر يلاحق نتنياهو يمثل هجوم السابع من أكتوبر 2023 إحدى أبرز نقاط الضعف التي تواجه نتنياهو خلال الانتخابات، بعدما كشف عن إخفاقات أمنية واستخباراتية واسعة، وأثار تساؤلات بشأن مسؤولية القيادة السياسية عن عدم منع الهجوم. ووفقا للأرقام الواردة في المادة المصدرية، أسفر الهجوم عن مقتل نحو 1200 إسرائيلي واحتجاز قرابة 250 رهينة، قبل أن تشن إسرائيل حربا واسعة على قطاع غزة خلفت دمارا هائلا وخسائر بشرية تجاوزت 73 ألف شهيد، مع تدمير نسبة كبيرة من المباني والبنية التحتية في القطاع. ورغم مرور ثلاث سنوات على الهجوم، لا تزال مسألة تحديد المسؤوليات تمثل نقطة خلاف رئيسية داخل إسرائيل. ويواجه نتنياهو انتقادات بسبب رفضه تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة، وهو ما يعزز اتهامات خصومه بمحاولة تجنب المحاسبة السياسية عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم. وشهدت تل أبيب احتجاجات شارك فيها عشرات الآلاف، للمطالبة بكشف ملابسات ما حدث ومحاسبة المسؤولين، وسط تراجع الثقة في الحكومة والمؤسسات الأمنية. كما زادت الاتهامات المتعلقة بتلقي مقربين من نتنياهو أموالا من دولة أجنبية، إلى جانب الحديث عن تحذيرات سابقة لم تؤخذ بالجدية المطلوبة، من الضغوط السياسية المحيطة برئيس الوزراء. وفي المقابل، يحاول نتنياهو نقل النقاش الانتخابي إلى الملفات الأمنية والعسكرية، مع التركيز على التهديدات الإقليمية والمواجهة مع إيران والفصائل الفلسطينية وحزب الله، مقدما استمرار قيادته باعتباره ضرورة لمواجهة المخاطر. ويرى خصومه أن هذا الخطاب يهدف إلى إبعاد الاهتمام عن الإخفاقات الداخلية، وإعادة صياغة الانتخابات باعتبارها مواجهة بين معسكرين حول الأمن، بدلا من أن تكون محاسبة مباشرة للحكومة على أدائها خلال السنوات الماضية. أزمة القضاء والانقسام حول هوية الدولة لم تبدأ الأزمات الداخلية الإسرائيلية مع هجوم السابع من أكتوبر، إذ شهد عام 2023 واحدة من أكبر موجات الاحتجاج في تاريخ إسرائيل، على خلفية خطة حكومة نتنياهو لإجراء تعديلات قضائية تحد من بعض صلاحيات المحكمة العليا وتوسع نفوذ السلطة التنفيذية. وأثارت الخطة اعتراضات واسعة من قطاعات علمانية وليبرالية، إلى جانب قضاة وأكاديميين وقطاعات من الجيش والاحتياط، وسط مخاوف من إضعاف الضوابط المؤسسية التي تحد من سلطة الحكومة.
وتحولت الأزمة القضائية إلى مواجهة بشأن طبيعة النظام السياسي وحدود السلطة التنفيذية، قبل أن تتداخل مع تداعيات هجوم أكتوبر والحرب على غزة. ومع استمرار الأزمات، اتسعت الخلافات بشأن العلاقة بين الدين والدولة، ومكانة المؤسسات القضائية، ومستقبل التيارات الليبرالية داخل المجتمع الإسرائيلي. ويبرز كذلك الخلاف حول إعفاء اليهود الحريديين من الخدمة العسكرية، وهو ملف تحول إلى قضية انتخابية مؤثرة في ظل الحاجة إلى تعزيز القوات المسلحة واستمرار العمليات العسكرية على جبهات متعددة. وتطالب أحزاب في معسكر المعارضة بإعادة النظر في الإعفاءات، معتبرة أن استمرارها يحمّل قطاعات من المجتمع أعباء غير متكافئة. في المقابل، تتمسك الأحزاب الدينية بمواقفها، ما يجعل هذا الملف من القضايا القادرة على تعطيل مفاوضات تشكيل الحكومة أو فرض تنازلات على الأحزاب المشاركة فيها. وتتجاوز الأزمة حدود الخلافات الحزبية، لتشمل سؤالا أوسع بشأن شكل الدولة التي يريدها الإسرائيليون، بين تيار يسعى إلى الحفاظ على طابع علماني وليبرالي نسبيا، وآخر يدفع باتجاه تعزيز دور الدين والقومية المتشددة في المؤسسات والسياسات العامة. نتنياهو يتمسك بالسلطة يظل نتنياهو الشخصية المحورية في الانتخابات، بعدما قضى سنوات طويلة في رئاسة الحكومة، وأحكم سيطرته على حزب الليكود، الذي أصبح مستقبله السياسي مرتبطا إلى حد كبير بمصير زعيمه. ويعتمد رئيس الوزراء على تحالف يضم أحزاب اليمين والقوى الدينية المتشددة، وفي مقدمتها القوة اليهودية بقيادة إيتمار بن غفير، وتحالف الصهيونية الدينية بزعامة بتسلئيل سموتريتش، إلى جانب حزبي شاس ويهدوت هتوراه. وتمنح هذه الأحزاب نتنياهو قاعدة سياسية قادرة على دعمه في البرلمان، لكنها تفرض عليه في الوقت نفسه التزامات تتعلق بالسياسات الدينية والأمنية وتوزيع الحقائب الوزارية، ما قد يحد من قدرته على المناورة إذا تراجعت قوة معسكره الانتخابية. وفي المقابل، يسعى خصومه إلى تقديم الانتخابات باعتبارها فرصة لإنهاء مرحلة سياسية طويلة اتسمت بالأزمات المتلاحقة. وتتركز انتقادات المعارضة على إدارة الحرب، والإخفاقات الأمنية، والتعديلات القضائية، واستمرار محاكمة نتنياهو في قضايا فساد ينفي ارتكابها. المعارضة تبحث عن أغلبية بديلة يتقدم غادي أيزنكوت، رئيس أركان جيش الاحتلال الأسبق وزعيم حزب يشار، أبرز وجوه المنافسة على قيادة الحكومة المقبلة، ضمن معسكر أوسع يضم أحزابا وشخصيات تسعى إلى إنهاء حكم نتنياهو. ويشمل المعسكر المناوئ له نفتالي بينيت، رئيس الحكومة الأسبق، ويائير لابيد، زعيم المعارضة، إلى جانب أفيغدور ليبرمان، زعيم إسرائيل بيتنا، ويائير غولان، زعيم الديمقراطيين. وتشارك في الانتخابات قائمتان عربيتان رئيسيتان، هما القائمة المشتركة التي تضم الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحركة العربية للتغيير والتجمع الوطني الديمقراطي، والقائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس. وتكتسب المقاعد العربية أهمية خاصة إذا جاءت النتائج متقاربة، إذ يمكن أن تؤثر في فرص تشكيل حكومة جديدة أو منع نتنياهو من جمع الأغلبية المطلوبة. غير أن توظيف هذه المقاعد في مفاوضات الائتلاف يصطدم برفض بعض القوى اليهودية التعاون مع الأحزاب العربية أو الاعتماد على دعمها البرلماني. كيف يحدد النظام الانتخابي الفائز؟ يعتمد النظام الانتخابي الإسرائيلي على التمثيل النسبي بالقوائم الحزبية المغلقة، بحيث يصوت الناخب للقائمة التي يختارها، وليس لمرشح فردي أو لرئيس الحكومة مباشرة. وتُعامل إسرائيل دائرة انتخابية واحدة، وتوزع المقاعد الـ120 على القوائم التي تتجاوز نسبة الحسم المحددة عند 3.25% من الأصوات الصحيحة. وتُستبعد القوائم التي لا تبلغ هذه النسبة من توزيع المقاعد، حتى لو حصلت على عشرات الآلاف من الأصوات. وبعد تحديد القوائم المؤهلة، يجري توزيع المقاعد وفق طريقة حسابية تعرف باسم بدر-عوفر، مع مراعاة فوائض الأصوات والاتفاقات المسبقة بين بعض القوائم. ويعني ذلك أن الأحزاب الصغيرة قد تؤدي دورا مهما في تحديد توزيع المقاعد الأخيرة، خصوصا عندما تكون المنافسة متقاربة. لكن الفوز بأكبر عدد من المقاعد لا يمنح زعيم الحزب حق تولي رئاسة الحكومة تلقائيا. فالعامل الحاسم هو القدرة على جمع دعم برلماني يكفي لتشكيل ائتلاف حكومي والحصول على الثقة. وتبلغ الأغلبية المطلقة 61 مقعدا من أصل 120، وهو الرقم الذي تسعى الأحزاب إلى بلوغه لضمان تشكيل حكومة قادرة على تمرير سياساتها. ولذلك قد يتمكن زعيم حزب جاء في المرتبة الثانية من تشكيل الحكومة إذا نجح في جمع عدد أكبر من الحلفاء. وبعد إعلان النتائج، يجري رئيس الاحتلال إسحاق هرتسوغ مشاورات مع الأحزاب، ثم يكلف المرشح الذي يراه الأقدر على تشكيل الحكومة. ويحصل المرشح المكلف على مهلة أولية لتجميع ائتلاف، مع إمكان تمديدها وفق الإجراءات القانونية. وإذا فشلت المحاولات المتعاقبة، فقد تتجه البلاد إلى انتخابات جديدة.

