يفاقم تفويض مجلس النواب المصري لقائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي بالتدخل للدفاع عن السعودية، في ظل هجمات الحوثيين المتصاعدة منذ يوليو 2026، مخاوف توريط الجيش في صراعات إقليمية تستنزف قدراته وتهدد أمن البلاد.
​
​
وبينما عقد البرلمان جلسات سرية أيام 18 و19 و26 أكتوبر الجاري بناء على دعوة السيسي الصادرة يوم 17 أكتوبر، يلتزم النظام السعودي صمتا رسميا مريبا يعكس فتورا تجاه مساعي القاهرة لتسويق دورها العسكري.
​
​
مغامرة عسكرية محفوفة بالمخاطر الاستراتيجية
​
​
ومن ناحية أخرى، أقر مجلس النواب يوم 26 أكتوبر التفويض رسميا، بالتزامن مع استضافة طهران مباحثات دول "حلف مكة" التي تضم السعودية وتركيا وباكستان لخفض التصعيد الإقليمي ودعم الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران.
​
​
وعلى الرغم من غياب أي تعليق رسمي من الرياض، سارع البرلمان العربي برئاسة السعودي سعد العتيبي إلى الإشادة بالخطوة، معتبرا إياها تجسيدا للتضامن العربي وحماية للأمن القومي المشترك في مواجهة الأزمات والتحديات الراهنة.
​
​
وفي المقابل، حذر الباحث في الشؤون العسكرية محمود جمال من أن الزج بالقوات المسلحة المصرية في أتون حرب إقليمية خارج الحدود يمثل مقامرة غير محسوبة العواقب، تستنزف مقدرات الجيش لخدمة أجندات سياسية ضيقة.
​
​
علاوة على ذلك، أوضح جمال أن هرولة النظام المصري لمنح تفويض عسكري دون طلب سعودي معلن، تبرهن على رغبة جامحة في مقايضة الدور العسكري بالدعم المالي والسياسي، متجاهلا تعقيدات المشهد الميداني وتغير التحالفات.
​
​
وفضلا عن ذلك، طرح الفريق الأردني المتقاعد قاصد محمود 3 مسارات محتملة للتحرك المصري تشمل تعزيز الدفاع الجوي، وتأمين المرافق والمقدسات، والجاهزية البحرية في باب المندب لتغطية عشرات الآلاف من الأهداف الحيوية بالمملكة.
​
​
ومع ذلك، تظل المقارنة مع الدور المصري في تأسيس الجيش الإماراتي عام 1971 أو إرسال قوات إبان أزمة الخليج بين عامي 1990 و1991 غير قابلة للتطبيق، نظرا لتغير موازين القوى وتراجع الثقل الإقليمي للقاهرة.
​
​
توظيف سياسي لنصوص الدستور والبرلمان
​
​
وفي سياق متصل، استند القرار البرلماني إلى المادة 130 من اللائحة الداخلية والمادة 152 من الدستور، اللتين تشترطان موافقة ثلثي الأعضاء في جلسة سرية عاجلة لإرسال قوات في مهام قتالية خارج حدود الدولة.
​
​
إلى جانب ذلك، روج عضو مجلس الشيوخ ناجي الشهابي للقرار باعتباره إجراء دفاعيا خالصا لا يستهدف الاعتداء، زاعما أن تفاصيل التحرك تخضع لخطط سرية وتقديرات عسكرية مشتركة لا يمكن التكهن بها في الوقت الراهن.
​
​
غير أن أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة الدكتور حسن نافعة، يرى أن تمرير هذه القرارات المصيرية عبر جلسات مغلقة يفرغ النصوص الدستورية من مضمونها الحقيقي، ويحول البرلمان إلى مجرد أداة للتصديق على رغبات السلطة.
​
​
وبالإضافة إلى ذلك، أكد نافعة أن احتكار القرار الاستراتيجي وتغييب النقاش المجتمعي حول إرسال الجيش خارج الحدود، يضعان البلاد أمام التزامات عسكرية غامضة قد تجرها إلى مستنقعات إقليمية لا تخدم المصالح العليا للدولة.
​
​
وعلى صعيد آخر، كان مجلس الدفاع الوطني قد مهد لهذا المسار قبل نحو أسبوع، عبر إقرار تقديم كافة أشكال الدعم الممكنة للسعودية، بدعوى الحفاظ على أمنها واستقرارها وصون مقدراتها وسلامة أراضيها والمقدسات الإسلامية.
​
​
تزامنا مع ذلك، أطلق قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي تصريحات متلاحقة خلال حفل تخرج بالأكاديمية العسكرية ثم في يوم 21 أكتوبر، زاعما أن التحرك يقتصر على الدفاع عن حدود المملكة دون مهاجمة اليمن.
​
​
ارتهان القرار الوطني للمصالح الخارجية
​
​
وفي غضون ذلك، توجه وزير الخارجية بدر عبد العاطي ورئيس المخابرات العامة اللواء حسن رشاد إلى الرياض يوم 21 أكتوبر، لتسليم رسالة تضامن إلى ولي العهد محمد بن سلمان، وسط تجاهل سعودي لطلب التدخل.
​
​
ومن جهته، اعتبر الخبير في العلاقات الدولية الدكتور عصام عبد الشافي أن التحركات المصرية المتسارعة تعكس مأزقا داخليا خانقا، يدفع النظام لتقديم فائض من الولاء الإقليمي عبر عرض خدمات الجند المصري في توقيت مرتبك.
​
​
كما أشار عبد الشافي إلى أن استضافة طهران لمباحثات "حلف مكة" في يوم إقرار التفويض نفسه، تكشف تهميش الدور المصري إقليميا، وتثبت أن الرياض تفضل مسارات التهدئة الدبلوماسية المباشرة بعيدا عن المغامرات العسكرية.
​
​
وبناء على ذلك، فإن ربط تحرك القوات المسلحة المصرية بطلب رسمي من الرياض يضع هيبة الدولة ومؤسستها العسكرية في موضع الانتظار، ويكرس تبعية القرار السيادي المصري لحسابات العواصم الإقليمية وتقلباتها السياسية والأمنية المستمرة.

 

ونتيجة لذلك، تبقى القوات المسلحة عرضة للاستنزاف في معارك بالوكالة لحماية أنظمة إقليمية تمتلك مليارات الدولارات، بينما يعاني الداخل المصري من أزمات اقتصادية طاحنة تتطلب توجيه كافة الموارد المتاحة لإنقاذ المواطنين من الفقر.
​
​
وفي نهاية المطاف، يبرهن هذا التفويض العسكري على استمرار نهج عسكرة السياسة الخارجية، والهروب من الاستحقاقات الداخلية عبر اختلاق معارك ومهام عابرة للحدود، تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية وتهدد بتبديد ما تبقى من رصيد مصر.