شريف أيمن
كاتب وصحافي مصري
تحدَّث عبد الفتاح السيسي فيما تسمى "الندوة التثقيفية للقوات المسلحة"، وكانت الندوة الرابعة والأربعين في 14 أكتوبر الجاري، وتطرق فيها إلى تفاصيل مكررة وأخرى لم يتحدث عنها مسبقًا، كأحاديث قال إنه ذكرها في اجتماعات المجلس العسكري ومع السفيرة الأمريكية في مصر، وتعليقه على الوضع السياسي العام، وتحولَّت ما تسمى بندوة التثقيف إلى ندوة تزييف وتضليل وبثِّ أحاديث تجافي الحقيقة تمامًا، بوعيٍ وقَصْدٍ من المتكلم.
أبرز هذه الأضاليل، أنه أراد تذكير المصريين بلقائه الإعلامي الوحيد في فترة ترشحه للرئاسة عام 2014، مع إبراهيم عيسى ولميس الحديدي، وطلب منا أن نرجع إلى هذا اللقاء لنراجع حديثه، إذ قال إنه لم يَعِدْ المجتمع بوعود معسولة، وقال نصًّا في الندوة: "أنا لم أقل هخلّص لكم الحكاية (يعني سوء الأوضاع) عشان أنا رجل أمين ومخلص.. قلت معنديش غير العمل والصبر". وبالعودة إلى كلامه عام 2014 نجد أنه سُئل سؤالًا مباشرًا من الحديدي فقالت له: "متى يمكن أن يشعر المواطن ببعض التحسُّن في حياته؟"، فأجاب: "في سنتين"، واستنكرت المذيعة ردَّه فقالت: "سنتان! هذا معدل سريع"، فأجابها: "نعم، إن شاء الله".
والشيء بالشيء يُذكَر، كرَّر السيسي وعده بعد الوصول إلى مقعد الرئاسة، فقال في افتتاح ميناء الغردقة البحري في شهر ديسمبر 2014 "اصبروا معي سنتين"، وفي عام 2016، طلب الصبر لمدة ستة أشهر أخرى، وفي عام 2017، قال: "أنتم ستتحملون عامًا آخر"، وفي عام 2018، قال "اصبروا معي كمان شوية"، وقال: "اصبروا وسترون العجب العُجاب"، وفي العام نفسه قال مرتيْن: "اصبروا وسترون في 30-6-2020 مصرَ دولة أخرى/في موضع آخر".
المثير أنه قال في الندوة "التثقيفية"، بعدما طالبَنَا بالعودة إلى لقاء عام 2014، إن السياسيين قد يقولون كلامًا معسولًا لكسب الأصوات لكنه لم يفعل ذلك، وإذا وضعنا الوعود السابقة أمام روايته، سنجد مجافاة تامة للحقيقة مع سبق الإصرار، بل يمكن أن نضيف إليها أنه قال في لقائه عام 2014: "إن وضع الدين الخارجي لمصر لا يمكن قبوله وتركه للأجيال اللاحقة". وكان الدين الخارجي لمصر مطلع عام 2014 نحو 47 مليار دولار أمريكي، بسعر يقارب 7 جنيهات أمام الدولار الواحد، ووصل الدين الخارجي بنهاية الربع الأول من العام المالي الحالي إلى 164.7 مليار دولار، بسعر يجاوز 55 جنيهًا مقابل الدولار الواحد (وقت كتابة المقال). والأرقام لا تحتاج إلى تعليق.
أما ما يتعلق بفترة 2011 إلى صيف 2013، فهنا يريد السيسي أن يُظهر أنه كان صوتًا ديمقراطيًّا وسط المجلس العسكري، فطنطاوي سأل عن تسليم الإخوان مقاليد الحكم، وسؤاله -بحسب رواية السيسي- كان كمن لا يريد أن يلتصق اسمه بالموافقة على الاختيار الشعبي؛ لأنه استقر على الإخوان المسلمين سواء بنسبة 47 في المئة في مجلس الشعب أو فوزهم في انتخابات الرئاسة، ووقتها قال السيسي -بحسب روايته- "إذا انتُخبوا فليتولوا الحكم"، وفسَّر رأيه بأن "المهم بقاء الدولة وليس مهمًّا ستبقى مع مَن، ما دام الناس انتخبوهم". وهنا لا بد من الوقوف بدهشة واستنكار، فقائل هذه الكلمات يقمع أي تعبير عن الرأي، ولا يسمح بتعددية سياسية في البرلمان، ولا يقبل منافسين على مقعد الرئاسة، وما عنان وأحمد طنطاوي والعقيد أحمد قُنْصُوَة منا ببعيد. وكلهم فكَّروا في خوض انتخابات الرئاسة، ومنهم شخصيتان عسكريتان، لكن مصيرهم كان السجن، فأين ديمقراطيته التي يريد إيهامنا بها الآن؟!
أردف السيسي كلامه في المجلس العسكري، بنقاش آخر له مع السفيرة الأمريكية وقتها، وقال إنه أخبرها أن "الإخوان سيتولون الحكم، ثم سيتركونه"، وعلَّل كلامه، بأن "التحدي في مصر أكبر من أي تيار داخلها" وتابع كلامه للحضور، "وأكبر [أي التحدي] من السيسي والسادات، لكنه ليس أكبر من شعبها". ورغم الإيمان الكامل بأن التحدي كبير جدًّا في مصر، فإن السيسي يستأثر بالسلطة المطلقة، ومع إخفاقه التام في تحسين مستوى معيشة الأفراد، فإنه لا يريد لأي أحد أن يطرح رأيًا يخالف المسار السياسي والاجتماعي الذي يسير عليه، فضلًا عن أن التحدي يستدعي جَمْعَ المجتمع بمكوناته لا تمزيقه وتشتيته، ومساره منذ عام 2013 يقوم على التجزئة والتفرقة، لا على الاتحاد، فكيف سيتمكن هذا الشعب من تجاوز التحدي، وهو يئن تحت الأوضاع الاقتصادية الطاحنة التي صنعتها سياسات النظام الحالي؟ وكيف سيتجاوز التحدي وهو منقسم اجتماعيًّا وفيه عشرات آلاف المظلومين في السجون منذ سيطرته على الحكم منتصف 2013؟
هذا التحدي الذي ذكره السيسي، أراد أن يؤكد صعوبته، فقال في ندوة "التثقيف" إنه التقى بمرشحي الرئاسة، وهو عضو في المجلس العسكري، وكان يسألهم عن برامجهم وخططهم للتعليم والصحة، وسأل بعض التيارات الدينية عن وجود مراكز دراسات استراتيجية لهم، فكانوا يجيبونه بالنفي، ليسأل بدوره: فكيف ستتولى إدارة هذا البلد؟ وخلص السيسي إلى أنهم كانوا يريدون فقط الوصول إلى المنصب. وتابع متسائلًا، كيف تهدم البلد بالتظاهرات ثم تريد أن تحكمها؟
هذه الفقرة من كلامه، هي عين ما فعله السيسي، فهو الذي كان يقول "لو مشيت على دراسات الجدوى ما حققنا 25 في المئة من المشروعات"، فهو لم يكن يومًا صاحب مشروع فكري، ولا مخططًا استراتيجيًّا، وقال عن نفسه "أنا لست سياسيًّا"، وهو الذي أشعل التظاهرات وطلب تفويضًا عبر الشارع، ليغرق الدولة في حمام الدم، فَسَدَّ المسار السياسي تمامًا، وبعد كل هذه السنوات يقف ليلقي بكل خطِيَّةٍ ارتكبها على خصومه ومعارضيه!
هذه الأحاديث وغيرها كحديثه عن تكلفة ما أسماها "الحرب على الإرهاب" التي بلغت 120 مليار جنيه، وتأكيده عدم المساس بالدستور، لا يمكن التعامل معها وفق منطق التصديق والتسليم، فسوابق الكذب والتضليل كثيرة، مثل قوله عام 2013 أن الجيش لا يطمح للسلطة، وقوله عقب اغتصابه منصب الرئاسة عام 2014 إن الرئيس محكوم بمدتين فقط، لكنه عدَّل الدستور ليضم فترة ثالثة وزاد الفترة الرئاسية من أربع إلى ست سنوات، كما أن حديث الدستور جاء في وقت سبقته مناقشات واسعة على تغييره وليس مجرد تعديله، ويبدو أن المسألة لم تجد صدى شعبيًّا مقبولًا، فقرر السيسي تأجيل الخطوة إلى وقت لاحق.
لقد لَمَسَ خطاب السيسي الأخير أوتارًا حساسة كثيرة، دون معالجة لأي من التحديات، فتأكّد التصوُّر العام بأن الوضع السياسي سيستمر في الانسداد، ما دامت الروايات الرسمية تجافي الحقيقية بوعي تام من أصحابها، وأن التحديات واضحة أمام الجميع بما في ذلك السلطة التنفيذية، لكنها تُصرُّ على الاستمرار في مسار يفاقم التحديات ولا يتجاوزها أو يخفف منها على الأقل، وسيظل الحل دائما وأبدًا هو التداول السلمي للسلطة، وخضوع أصحاب السلطة للمساءلة، فهل تبلغ مصر ما أرادته منذ أكثر من خمسة عشر عامًا؟

