تناول الدكتور أيمن منصور ندا، الأستاذ السابق في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، في مقاله «في مفهوم العلوقية السياسية!» مفهومًا نقديًا ساخرًا ينطلق من سلوكيات الأفراد، ليمتد إلى طريقة إدارة السياسات العامة وصناعة القرارات وتبرير نتائجها. ويرى الكاتب أن المشكلة لا تتوقف عند التصرفات الشخصية التي تجمع بين الميوعة والاستظراف والاستعراض، بل تتجاوزها إلى نمط من الممارسة السياسية تصبح فيه صورة القرار أهم من منطقه، والإعلان عنه أسبق من تقييمه، وتبرير إخفاقاته أسهل من الاعتراف بأخطائه.

 

وأكد الكاتب أن المصريين يعرفون بالفطرة معنى «العِلْق»، دون حاجة إلى شهادة في علم النفس أو اختبار للشخصية؛ إذ تكفي حركة مائعة، أو نكتة سمجة، أو استظراف في غير موضعه، حتى يصدر الحكم على صاحبها بأنه كذلك. وقد يكون هذا الشخص متعلمًا وأنيقًا وصاحب منصب وهيبة مصطنعة، لكنه يظل، وفق وصف الكاتب، عاجزًا عن التمييز بين خفة الظل وخفة العقل، وبين الحضور والمنظرة، وبين الثقة بالنفس والاستخفاف بالآخرين. فهو يتحدث أكثر مما يفكر، ويتحرك أكثر مما ينجز، وإذا أخطأ لا يشعر بالخجل، بل يلجأ إلى الاستظراف لتبرير خطئه.

 

واستعرض الكاتب أبرز أعراض هذه السلوكيات، التي تشمل الميوعة والسماجة والفزلكة والاستعراض والاستسهال وغياب الاتزان. فصاحب هذه الصفات يبالغ في كل شيء، باستثناء تقدير المسؤولية، ويحب الأضواء لكنه يكره المرايا، ويعشق التصفيق ويضيق بالأسئلة، ويريد أن يكون محور كل مشهد، حتى لو كان المشهد جنازة. والأخطر، بحسب الكاتب، أنه لا يدرك حقيقة سلوكه، بل يعتقد أن الآخرين هم الذين يفتقرون إلى خفة ظله وعبقريته.

 

ومن هنا يطرح الكاتب تساؤلًا محوريًا: ماذا لو انتقلت هذه الصفات من الأفراد إلى السياسات؟ وماذا لو أصبحت الميوعة منهجًا، والفزلكة أسلوبًا للتخطيط، والمنظرة بديلًا عن الإنجاز، والاستظراف وسيلة للهروب من الأسئلة؟ عندها، وفق طرحه، نكون أمام ما يسميه «العلوقية السياسية»، وهي حالة لا تقتصر على اتخاذ قرار خاطئ، وإنما تمتد إلى تحويل الخطأ إلى عرض ناجح، ثم مطالبة الجمهور بالتصفيق له.

 

 

من الميوعة في القرارات إلى الفزلكة في معالجة الأزمات

 

وتناول الكاتب مظاهر العلوقية السياسية في طريقة التعامل مع الخيارات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن الميوعة تبدأ عندما تتبنى السياسات توجهات متناقضة؛ إذ تريد الدولة اقتصاد السوق، لكنها في الوقت نفسه تحب التحكم فيه، وتسعى إلى جذب المستثمرين، بينما تترك حدود المنافسة ملتبسة. وفي المقابل، تطالب الناس بالتخطيط للمستقبل، في الوقت الذي تتغير فيه بعض قواعد اللعبة قبل أن يتمكنوا من استيعاب قواعدها السابقة.

 

وأضاف الكاتب أن الرغبة في الجمع بين الشيء ونقيضه تُقدَّم أحيانًا تحت مسمى المرونة، مع أن هناك فرقًا جوهريًا بين المفهومين؛ فالمرونة تعني تغيير الاتجاه عندما تتغير الظروف، أما الميوعة فتعني ألا يعرف أحد الاتجاه من الأساس. ويرى أن الاقتصاد قد يتحمل قرارًا صعبًا، لكنه لا يستطيع تحمل تحول توقع القرار التالي إلى مسابقة في قراءة الطالع، في ظل غياب الوضوح والاستقرار اللازمين لاتخاذ القرارات والتخطيط للمستقبل.

 

واستعرض الكاتب مظهرًا آخر من مظاهر العلوقية السياسية، يتمثل في الفزلكة التي تجعل معالجة المشكلة أكثر تعقيدًا من المشكلة نفسها. ويحدث ذلك، وفق مقاله، عندما يصدر قرار، ثم تتبعه قرارات أخرى لتعديل آثاره، ثم تُستحدث إجراءات جديدة لتصحيح نتائج تلك التعديلات، قبل الإعلان عن حزمة أخرى من الحلول إذا تعثرت الأمور مجددًا.

 

وأوضح الكاتب أن مراجعة القرارات ليست عيبًا في حد ذاتها، بل إن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب تفسير واضح لأسباب الخطأ، وتحول التصحيح إلى بطولة مستقلة تستحق الاحتفاء. وضرب مثالًا ساخرًا على ذلك بمن يحفر حفرة، ثم يحتفل بردمها، ويطالب الناس بشكره لأن الطريق عاد صالحًا للمشي، بدلًا من مساءلته عن سبب الحفرة من البداية.

 

وتناول الكاتب بعد ذلك المنظرة، التي وصفها بأنها الابنة المدللة للعلوقية السياسية، حيث يتزايد الاهتمام بالمشروعات الضخمة والافتتاحات المبهرة واللقطات الجوية والموسيقى التصويرية، حتى تتحول طريقة عرض الإنجاز أحيانًا إلى إنجاز موازٍ له. وفي هذه الأجواء، تصبح الأسئلة المتعلقة بالتكلفة والعائد والأولوية ضيوفًا ثقيلة على حفلات الافتتاح، بينما يُقاس الإنجاز بطول الشريط الذي يُقص، لا بحجم العائد الذي يتحقق على أرض الواقع.

 

وأكد الكاتب أن المشكلة لا تكمن في بناء طريق أو تشغيل مشروع مثل المونوريل؛ فقد يكون المشروع ضروريًا ومدروسًا، وإنما في الاعتقاد بأن ضخامة المشروع تكفي وحدها لإثبات أنه الخيار الأفضل من حيث التوقيت والتكلفة. فقد ترتفع الأعمدة عشرات الأمتار، بينما تظل خدمات أخرى عند مستوى الأرض، وليس كل ما يرتفع إلى السماء يرفع مستوى المعيشة، كما أن ليس كل ما يلمع في الصورة ذهبًا في ميزان الاقتصاد. وشدد على أن الإنجاز الهندسي لا يعفي من الحساب الاقتصادي، وأن تقييم المشروعات ينبغي ألا يتوقف عند شكلها أو حجمها، بل يجب أن يمتد إلى جدواها وتكلفتها وأثرها الفعلي.

 

وتناول الكاتب انتقال هذه المظاهر إلى قطاع التعليم، حيث تتغير الأنظمة والمسارات والمسميات، وتتجدد الوعود، وتبدأ كل تجربة بحماس كبير، لكن السؤال الأساسي يظل معلقًا: ماذا تعلم التلميذ؟ وما نتائج الإصلاح السابق؟

 

وأضاف أن تغيير نظام الثانوية يشبه تغيير ديكور الصالون، قبل اكتشاف أن المشكلة الحقيقية ليست في لون الستائر. فالتعليم، بحسب الكاتب، لا يتطور بكثرة أسماء الأنظمة، ولا ترتفع جودة المدرسة بمجرد زيادة عدد المؤتمرات التي تعلن تطويرها. كما لا ينبغي أن يتحمل التلميذ ثمن تجربة لا تعرف الجهات القائمة عليها كيف ستقيس نجاحها، أو ما إذا كانت قد حققت أهدافها بالفعل.

 

 

خطاب اقتصادي يستعرض المؤشرات ويتجاهل معيشة المواطن

 

واستعرض الكاتب ما وصفه بالسماجة في الخطاب الاقتصادي، عندما يسأل المواطن عن الأسعار، فيُجاب بالحديث عن النمو، وحين يستفسر عن دخله، يُوجَّه إلى الاستثمارات، وإذا اشتكى من فاتورة الكهرباء، يسمع بشارات عن مستقبل مشرق. ويرى أن المؤشرات الاقتصادية قد تكون صحيحة، لكنها لا تجيب وحدها عن الأسئلة التي تشغل الناس في حياتهم اليومية.

 

وأضاف الكاتب، في صياغة ساخرة، أن المواطن لا يستطيع سداد فاتورة الكهرباء ببشائر الخير، ولا شراء اللحم بتفاؤل المسؤولين. وعندما يكرر المتحدث الإجابة نفسها، لا يصبح المواطن أكثر اقتناعًا، بل يزداد السؤال إلحاحًا، لأن الفجوة تظل قائمة بين الخطاب الرسمي وما يواجهه الناس من أعباء معيشية.

 

وتناول الكاتب مظهرًا آخر من مظاهر العلوقية السياسية، يتمثل في الاستظراف الذي يحول الأزمات إلى مناسبات لإطلاق النكات والإفيهات. فقد تُقال النكتة، وتنتشر اللقطة، ويضحك الحاضرون، ثم يعود الناس إلى أزماتهم كما كانت، دون أن يتغير شيء في واقعهم. وأكد أن السياسة ليست مسلسلًا كوميديًا، وأن النكتة التي تضحك القاعة لا تدفع إيجار المنزل، مشيرًا إلى أن أسوأ أنواع الاستظراف هو أن يضحك من المشكلة شخص لا يتحمل تكلفتها.

 

واستعرض الكاتب كذلك الطريقة التي تُستقبل بها الأسئلة المتعلقة بالنتائج والجدوى، موضحًا أن الثناء على الجهود يصبح أحيانًا أكثر ترحيبًا من مساءلة أصحاب القرار عن حصيلة أعمالهم. فعندما يُطرح سؤال عن الجدوى، يأتي الرد بالحديث عن النوايا، وعندما يُسأل المسؤول عما تحقق، يتحدث عما بُذل من جهود، وعندما يُستفسر عن الخطأ، يبدأ شرح الظروف المحيطة به، وكأن السؤال جريمة، والإجابة عنه تنازل.

 

وأكد الكاتب أن الجهد ليس بديلًا عن النتيجة، وأن حسن النية لا يمثل شهادة ضمان لصحة القرار. ومن يتحمل تكلفة السياسات يملك الحق في السؤال عن نتائجها ومحاسبة المسؤولين عنها، دون أن يُطلب منه إثبات وطنيته أولًا، أو أن يُعامل استفساره باعتباره موقفًا عدائيًا.

 

وأضاف الكاتب أن هذه الأعراض تصنع دائرة مغلقة تسبق فيها الإعلانات الحساب، ويتقدم فيها الاستعراض على التقييم، ويأتي التبرير قبل المراجعة. وبعد ذلك تتغير اللافتات، وتتجدد الشعارات، وتبدأ دورة أخرى من الوعود، بينما يظل السيناريو كما هو؛ يتغير الديكور، لكن الفاتورة تبقى على عاتق المواطن.

 

 

الجدية والمحاسبة.. طريق استعادة الثقة في السياسات

 

وأكد الكاتب أن الجدية لا تحتاج إلى وجوه عابسة، أو أصوات جهورية، أو مكاتب فخمة، وإنما تحتاج إلى عقل يحسب، ومؤسسة تراجع، وقرار يتحمل أصحابه مسؤولية نتائجه. فالهيبة لا تُصنع بالمنصات، والإنجاز لا يُقاس بالتصفيق، والدولة التي تحتاج إلى شرح إنجازاتها أكثر مما يحتاج المواطن إلى استخدامها، عليها أن تعيد النظر في الطريقة التي تقيس بها النجاح.

 

وأضاف الكاتب أن المواطن المصري يستطيع تجنب الشخص الذي يتسم بهذه الصفات في جلسة، أو ترك المكان والانصراف، لكنه لا يستطيع الانصراف من آثار السياسات التي تتحكم في معيشته. ولهذا تصبح العلوقية السياسية أخطر من مجرد خفة دم ثقيلة؛ لأنها تتحول إلى خفة في اتخاذ القرار، يدفع آخرون ثمنها من حياتهم وأموالهم واستقرارهم.

 

واختتم الدكتور أيمن منصور ندا مقاله بالتأكيد على أن العلوقية في الأشخاص قد تُسقط الهيبة، لكن العلوقية في السياسات تُسقط الثقة. وبينما قد تثير الأولى ضحك الناس، فإن الثانية قد تدفعهم إلى الضحك من شدة الغلب، في تعبير ساخر عن حجم المعاناة التي يمكن أن تخلّفها السياسات غير المدروسة، حين يغيب التقييم والمحاسبة، ويتحول الاستعراض إلى بديل عن الإنجاز الحقيقي.