تفجّرت فضيحة مدوية داخل أسوار نادي الزمالك خلال شهر نوفمبر الجاري، عقب تحول مقر القلعة البيضاء إلى ساحة للبلطجة المسلحة، واحتجاز أعضاء عزّل داخل مكتب الأمن والاعتداء عليهم بالعصي، وسط تواطؤ فج من أفراد الحراسة الذين أغلقوا الأبواب على الضحايا لحماية الجناة.

 

وتعكس هذه الجريمة الدموية حالة الانهيار المؤسسي الشامل التي تضرب الكيانات الرياضية الكبرى في مصر، حيث استُبدلت معايير الكفاءة المهنية بنظام المحسوبيات، مما جرّد الأعضاء من أبسط حقوقهم في الأمان داخل مؤسساتهم التي يدفعون اشتراكاتها، وحوّل إدارات الأمن إلى أدوات لقمع المجني عليهم.

 

تواطؤ أمني واحتجاز مسلح للأعضاء

 

وبدأت فصول المأساة حينما نشبت مشادة كلامية بسيطة في حديقة النادي بين إحدى السيدات وشاب من الأعضاء، سرعان ما تطورت إلى توجيه تلك السيدة سباباً لاذعاً وبذيئاً لفتيات صغيرات من بنات عمه دون أي رادع أخلاقي أو تدخل من المشرفين.

 

وعلى إثر ذلك، توجهت الفتيات برفقة ابن عمهن وصديقه الشاهد على الواقعة إلى مكتب الأمن، لتحرير مذكرة رسمية وطلب الحماية القانونية، ظناً منهن أن المكتب يمثل ملاذاً آمناً يضمن حقوق الأعضاء ويمنع التعدي عليهم داخل الحرم الرياضي.

 

غير أن أفراد الأمن استدرجوا الشباب والفتيات إلى داخل المكتب بحجة عقد جلسة صلح ودية لإنهاء الخلاف، وطلبوا منهم الانتظار لحين استدعاء الطرف الآخر، في خطوة بدت لاحقاً أنها كمين محكم جرى ترتيبه بعناية فائقة مع المعتدين.

 

وفي غضون دقائق، اقتحم زوج السيدة برفقة شخصين آخرين مكتب الأمن عبر الباب الخلفي المخصص حصرياً للموظفين، وهم يحملون عصياً غليظة، مما يثبت وجود تنسيق مسبق لتسهيل دخولهم المسلح بعيداً عن أعين الكاميرات والأعضاء المتواجدين بالخارج.

 

وبدلاً من التصدي للمقتحمين، سارع أفراد الأمن إلى إغلاق الأبواب من الخارج على الأعضاء والفتيات، وتركوهم فريسة عزلاء في مواجهة مسلحين بالعصي، متذرعين بحجة واهية مفادها الخوف من التعرض للإصابة أثناء فض الاشتباك الدموي الدائر بالداخل.

 

علاوة على ذلك، استمات الشاب وصديقه في الدفاع عن الفتيات المحاصرات وسط ضربات العصي المتلاحقة، وهو ما أسفر عن إصابته بجروح قطعية بالغة في الرأس، سالت على إثرها الدماء داخل المكتب دون أن يتحرك ساكن لمنظومة التأمين المتخاذلة.

 

ومن جانبه، يرى الدكتور شريف درويش اللبان، أستاذ الصحافة وتكنولوجيا الاتصال بجامعة القاهرة، أن تحول مكاتب الأمن داخل المؤسسات العريقة إلى مصائد للمواطنين يعبر عن سقوط مفهوم الدولة القانونية، وتفشي ثقافة البلطجة كأداة بديلة لفض النزاعات تحت سمع وبصر المسؤولين.

 

فضلاً عن ذلك، فإن فتح الباب الخلفي لفرار الجناة الثلاثة عقب إتمام جريمتهم، يؤكد أن منظومة الحراسة داخل النادي باتت تعمل كغطاء لحماية المعتدين ذوي النفوذ، بدلاً من أداء واجبها الأساسي في صون أرواح الأعضاء وحماية أعراضهم.

 

وبناءً على تلك التطورات، اضطر العضو المصاب إلى التوجه مباشرة لقسم الشرطة لتحرير محضر رسمي بالواقعة وإثبات إصابته البالغة، بعد أن أدرك تماماً استحالة الحصول على حقه عبر القنوات الإدارية الفاسدة داخل النادي التي تواطأت ضده منذ اللحظة الأولى.

 

عقاب الضحايا وتجريم نجدة المحاصرين

 

ولم تتوقف المهزلة عند حد التواطؤ في الاعتداء، بل أصدرت إدارة النادي قراراً تعسفياً بإيقاف الشاب المصاب في رأسه، في خطوة تعكس انقلاب الموازين الإدارية، وتحويل المجني عليه إلى متهم لتجبره الإدارة على التنازل عن حقوقه القانونية.

 

إلى جانب ذلك، شمل قرار الإيقاف الجائر خمسة شباب آخرين من أعضاء النادي، لم تكن جريمتهم سوى التدخل الإنساني ومحاولة فتح باب المكتب المغلق لإنقاذ الفتيات المحاصرات من بطش العصي، بعد أن تخلى أفراد الأمن عن شرفهم المهني. 

 

وفي هذا السياق، يؤكد المستشار وليد شرابي، المتحدث باسم حركة قضاة من أجل مصر، أن معاقبة الضحايا والشهود دون إجراء تحقيق قانوني شفاف يمثل امتداداً لمنهج تكميم الأفواه، وترسيخاً لقاعدة إفلات الجناة من العقاب التي باتت تحكم كافة المؤسسات المصرية.

 

كما أن تجاهل الإدارة لاستدعاء المعتدين أو التحقيق مع أفراد الأمن المتورطين في إغلاق الأبواب، يبرهن على وجود شبكة حماية داخلية تدار بعقلية أمنية قمعية، ترى في تضامن الأعضاء لإنقاذ بعضهم خطراً يجب مواجهته بقرارات الشطب والإيقاف الفوري.

 

وبالإضافة إلى ما سبق، فإن إصدار تلك العقوبات الانتقامية دون الاستماع لأقوال المصابين أو تفريغ كاميرات المراقبة، يهدف بالأساس إلى إرهاب باقي الأعضاء، ومنعهم من التجرؤ على فضح الكوارث الإدارية والأمنية التي باتت تهدد سلامة أسرهم يومياً.

 

ومن ناحية أخرى، يكرس هذا النهج الإداري المشوه ثقافة السلبية والخوف داخل المجتمع الرياضي، حيث توجه الإدارة رسالة مباشرة للأعضاء مفادها أن من يحاول نجدة فتاة تستغيث داخل النادي سيواجه مصير الإيقاف والتنكيل الإداري دون أي سند قانوني.

 

وبالتالي، تحولت لوائح النادي الداخلية من مظلة لحماية الحقوق وتنظيم العلاقات بين الأعضاء، إلى سوط مسلط على رقاب المظلومين، يُستخدم بانتقائية فجة للتغطية على فضائح شركات الأمن الخاصة التي تستنزف ميزانية النادي دون تقديم أي خدمة حقيقية.

 

وهكذا، يجد عضو الجمعية العمومية نفسه محاصراً بين مطرقة البلطجية الذين يرتعون داخل المقر بحماية أمنية، وسندان الإدارة التي تسارع إلى ذبح الضحية إدارياً فور خروجه من المستشفى، لإجباره على الصمت وطمس معالم الجريمة المكتملة الأركان.

 

عسكرة الرياضة وانهيار المؤسسات الكبرى

 

وتأتي هذه الفضيحة الأخلاقية والأمنية في نادي الزمالك كنتيجة طبيعية لسياسات التدمير الممنهج للعمل المؤسسي والمدني، والتي تفاقمت منذ استحواذ نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي على مقاليد الأمور، وإسناد إدارة الكيانات الكبرى لشخصيات تفتقر للرؤية والكفاءة.

 

وفي هذا الإطار، يوضح الدكتور عمار علي حسن، الباحث في علم الاجتماع السياسي، أن انهيار منظومات القيم والأمن داخل الأندية الكبرى يعكس أزمة حكم شاملة، حيث تؤدي عسكرة الإدارة وتهميش القانون إلى تفشي الفوضى والاحتقان الاجتماعي في كافة الفضاءات العامة.

 

وعلى صعيد متصل، فإن إسناد مهام التأمين في الأندية لجهات تفتقر للتدريب المهني والرقابة الصارمة، حوّل تلك المنشآت إلى ثكنات فوضوية تعجز عن حماية أعضائها في أوقات الأزمات، بينما تستأسد فقط على الشباب المسالمين بقرارات إدارية باطلة.

 

فضلاً عن ذلك، تفتقر مجالس الإدارات الحالية إلى الاستقلالية الحقيقية، نظراً لخضوعها التام للتوجيهات الفوقية، مما يجعلها عاجزة عن محاسبة شركات التأمين المتورطة في الفساد، خوفاً من الصدام مع مراكز النفوذ التي تفرض تلك الشركات على الأندية الرياضية.

 

ونتيجة لذلك، تراجعت المكانة التاريخية والاجتماعية لنادي الزمالك كأحد أكبر القلاع الرياضية في الشرق الأوسط، ليتحول في ظل هذه الإدارة العاجزة إلى بيئة طاردة للأسر المحترمة التي باتت تخشى على بناتها وأبنائها من غدر البلطجية وتواطؤ الحراس.

 

كما أن استمرار الصمت الرسمي من قبل وزارة الشباب والرياضة تجاه هذه الواقعة الدموية، يبرهن على أن سلامة المواطن المصري لا تمثل أي أولوية لدى أجهزة السلطة، طالما أن الفوضى بعيدة عن دوائر الحكم ومصالح المنتفعين من النظام القائم.

 

إضافة إلى ذلك، تتصاعد مطالب أعضاء الجمعية العمومية بضرورة تطهير النادي من العناصر الأمنية الفاسدة، وإلغاء قرارات الإيقاف التعسفية الصادرة بحق الشباب الشرفاء، مع إحالة كافة المتورطين في احتجاز الأعضاء والاعتداء عليهم إلى النيابة العامة فوراً ودون تباطؤ.

 

وفي نهاية المطاف، تبقى دماء العضو المصاب داخل مكتب الأمن شاهدة على حجم الانحدار الذي وصلت إليه المؤسسات الرياضية، محذرة من انفجار غضب الأعضاء إذا استمرت الإدارة في حماية الفساد والتضحية بأمن الجمعية العمومية لصالح أصحاب النفوذ والبلطجية.