لم تكن حفلات التخرج، التي تشهدها الجامعات والمؤسسات التعليمية في العصر الحديث، تقليدا وافدا بالكامل من الحضارة الغربية، كما قد يعتقد البعض، فقد عرفت الحضارة الإسلامية منذ قرون طويلة مظاهر متعددة للاحتفاء بالطلاب المتفوقين، شملت توزيع الهدايا والجوائز، وإقامة الولائم، ومنح الشهادات العلمية، وإطلاق الألقاب الأكاديمية، فضلا عن ارتداء أزياء خاصة تعبيرا عن بلوغ مرحلة علمية متقدمة.
وتكشف كتب التاريخ والتراجم عن نماذج لافتة من هذه الاحتفالات، بعضها يعود إلى عصر الصحابة، حين كان إتمام الطفل حفظ القرآن الكريم مناسبة تستدعي فرحة الأسرة وتكريم المعلم، بينما شهدت عصور لاحقة احتفالات ضخمة شارك فيها الخلفاء والأمراء، ووصلت قيمة الهدايا المقدمة خلالها إلى آلاف الدنانير الذهبية.
ولم يقتصر الاهتمام على الاحتفال بالمناسبات، بل امتد إلى وضع معايير علمية لتقييم الطلاب، ومنحهم شهادات موثقة تتضمن أسماء شيوخهم والعلوم التي أتقنوها، إلى جانب ألقاب تحدد مكانتهم داخل الأوساط العلمية، في تقاليد تحمل أوجه تشابه واضحة مع الأنظمة الأكاديمية المعاصرة.
الحذاقة.. الاسم القديم للتخرج
عرف العرب منذ القدم مصطلح «الحِذق» للتعبير عن إتمام تعلم علم معين أو إتقان كتاب أو حرفة، وكان يطلق على الشخص الذي بلغ درجة عالية من المهارة والإتقان وصف «الحاذق»، بينما عُرفت مناسبة إتمام الطفل حفظ القرآن الكريم باسم «يوم الحذاق».
ويشير ابن منظور في كتابه «لسان العرب» إلى أن الحذاقة تعني المهارة في العمل، وأن حذق القرآن والعلم يعني تعلمهما وإتقانهما، كما أشار ابن طولون الدمشقي في كتابه «فص الخواتم فيما قيل في الولائم» إلى أن وليمة الحذاقة كانت تقام عند ختم القرآن الكريم أو تعلم الآداب.
ومن أقدم الشواهد التاريخية على استخدام هذا المصطلح ما أورده ابن عساكر في «تاريخ دمشق»، عند حديثه عن الشاعر الجاهلي عدي بن زيد العبادي، الذي أرسله والده إلى الكُتّاب لتعلم القراءة والكتابة، ثم انتقل إلى تعلم الفارسية حتى أصبح من المتقنين لها، وهو ما يعكس وجود تقاليد تعليمية عرفت مفهوم التأهل وإتمام الدراسة قبل الإسلام.
ولم يقتصر استخدام الحذق على القرآن والعلوم الشرعية، بل امتد إلى النحو والطب والكتابة والحساب والموسيقى، وحتى الحرف والصناعات المختلفة، إذ كان المصطلح يعبر عن بلوغ مرحلة الإتقان في أي مجال من مجالات المعرفة والعمل.
الصحابة احتفلوا بتفوق أبنائهم
تكشف الروايات التاريخية عن وجود احتفالات بالتخرج في عهد الصحابة رضي الله عنهم، وكان إتمام الطفل حفظ القرآن الكريم مناسبة تستحق التكريم وإظهار الفرحة، ومن أبرز الشواهد على ذلك ما رواه الإمام البيهقي في «السنن الكبرى» عن الصحابي أبي مسعود الأنصاري، الذي احتفل بتفوق أحد الصبيان في الكُتّاب.
وذكر الأثر أن غلاما أتم تعلمه، فأمر أبو مسعود بشراء الجوز للأطفال بدرهم، ليوزعه عليهم احتفالا بهذه المناسبة، لكنه رفض نثره بين الصبيان حتى لا يتحول الأمر إلى مزاحمة وتدافع من أجل الحصول عليه.
وتكشف هذه الرواية عن واحدة من أقدم صور الاحتفاء بالتخرج في التاريخ الإسلامي، إذ سبقت تقاليد توزيع الحلوى والهدايا المعروفة حاليا، وكان الجوز من أبرز مظاهر الاحتفال لدى الأسر متوسطة الحال.
ولم يكن توزيع الهدايا الصورة الوحيدة للاحتفال، فقد ارتبط إتمام حفظ القرآن أيضا بإقامة الولائم وذبح الأنعام، إذ نقل ابن طولون عن الحسن البصري أن الناس كانوا يذبحون جملا ويعدون الطعام عندما يتم الصبي حفظ القرآن، كما نقل عن حماد بن سلمة أن السلف كانوا يستحبون ذبح شاة ودعوة الأصدقاء عند جمع الطفل للقرآن الكريم.
واتبع الإمام أحمد بن حنبل تقليدا مشابها لما فعله أبو مسعود، إذ ذكر تلميذه أبو بكر المروذي أنه اشترى الجوز عندما أتم ابنه حفظ القرآن، وحرص على توزيعه على الصبيان دون نثره، تجنبا لما قد يصاحب ذلك من تدافع.
احتفال عباسي تجاوز حدود الخيال
إذا كانت الأسر متوسطة الحال تحتفل بتخرج أبنائها بتوزيع الجوز وإقامة الولائم، فإن الخلفاء والأمراء حولوا بعض المناسبات إلى احتفالات استثنائية اتسمت بالبذخ الشديد، ومن أبرزها احتفال الخليفة العباسي المتوكل بابنه الأمير المعتز، بعدما أتم مرحلة من تعليمه.
ووفقا لما أورده ابن عساكر في «تاريخ دمشق»، أقام المتوكل نحو عام 240هـ/854م احتفالا ضخما في قصر «بركوارا» بمدينة سامراء، ودعا إليه كبار رجال الدولة والقادة والأعيان، بعدما استعد الحضور للمناسبة وأقاموا مضاربهم قبل موعدها بثلاثة أيام.
وشهد الحفل مظاهر استثنائية من الإنفاق، إذ أمر الخليفة بإخراج مجوهرات من خزائنه تقدر قيمتها بنحو 100 ألف دينار ذهبي، لتوزيعها على الحاضرين، كما خصص خمسة آلاف دينار قيمة مجوهرات قدمها إلى مؤدب ابنه محمد بن عمران، تقديرا لدوره في تعليمه.
ولم تقتصر المراسم على توزيع الأموال والجواهر، بل تضمنت إلقاء الأمير المعتز خطبة أمام الحاضرين، باعتبارها دليلا على ما حصله من علم وتأهيل، قبل أن ينثر الخدم الذهب والفضة والمجوهرات على المشاركين في الاحتفال.
وتحدثت الروايات عن مظاهر أخرى من الترف، بينها استخدام شموع ضخمة في إضاءة قاعة الاحتفال، حتى إن حرارة إحداها كانت محسوسة في الجانب الغربي من نهر دجلة، بحسب ما نقلته المصادر التاريخية.
لكن هذا الاحتفال لم يكن مجرد مناسبة عائلية، فقد ارتبط لاحقا بتطورات سياسية خطيرة، بعدما أثار اهتمام المتوكل المبالغ فيه بابنه المعتز غيرة شقيقه المنتصر، الذي دخل في صراع معه وانتهى الأمر بتآمره مع قادة الجيش وقتل والده والاستيلاء على الخلافة.
ومن مظاهر الاحتفاء الملكي بالتفوق العلمي أيضا ما ذكره الإمام الذهبي عن احتفال الخليفة العباسي المستعصم بالله بختم القرآن الكريم حفظا، إذ أقيمت دعوة كبيرة بهذه المناسبة، ومنح الشيخ الذي علمه ستة آلاف دينار ذهبي، إلى جانب تكريمه بالخلع والهدايا.
ولائم التخرج امتدت إلى العلوم المختلفة
لم تكن الاحتفالات مقتصرة على حفظ القرآن الكريم، بل امتدت إلى إتمام دراسة الكتب العلمية والفقهية، وختم مجالس الحديث، حيث اعتاد بعض العلماء والأثرياء توزيع الهدايا وإقامة الولائم تقديرا للطلاب الذين ينجحون في إتمام دراسة مصنفات مهمة.
ومن الأمثلة على ذلك ما أورده الحافظ ابن حجر العسقلاني بشأن أحد أعيان حلب وتجارها، جمال الدين الدروي، الذي اعتاد حضور دروس سماع «صحيح البخاري»، وكان يوزع الملابس والهدايا على الحاضرين عند الانتهاء من قراءة الكتاب.
كما ذكر السخاوي أن ابن المهاجر الزين الحلبي، مفتش الجيش المملوكي في حلب، كان يقرأ صحيح البخاري على الناس، ويمنح المشاركين في مجلس القراءة عطايا مالية عند ختمه.
وامتدت هذه المظاهر إلى دراسة كتب الفقه، إذ أشار المؤرخ عفيف الدين اليافعي إلى أن شيخه جمال الدين الذهبي أقام وليمة كبيرة وذبح كبشين احتفالا بإتمامه قراءة كتاب «التنبيه» في الفقه الشافعي، ودعا عددا كبيرا من الأشخاص للمشاركة في المناسبة.
وفي العصر العثماني، استمرت مظاهر الاحتفاء بإتمام الدراسة والتأهل المهني، إذ ذكر المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي أن الخطاط حسن أفندي الرشيدي أقيم له محفل كبير يوم إجازته، بعد أن أظهر تفوقا في فن الخط والكتابة، قبل أن يتولى لاحقا مشيخة الخطاطين.
الجوائز لتشجيع المتفوقين
إلى جانب الولائم والهدايا، عرفت الحضارة الإسلامية صورا أخرى من التكريم، تمثلت في منح الطلاب المتفوقين مكافآت مالية، وإعفائهم من الرسوم الدراسية، وتقديم الهدايا الشخصية لهم تقديرا لتميزهم العلمي.
ومن أبرز هذه النماذج ما ذكره البيهقي عن الإمام الشافعي، الذي نشأ في ظروف مادية صعبة، لكنه استطاع التفوق في دراسته داخل الكُتّاب، حتى لاحظ معلمه أنه يساعده في تعليم بقية الصبيان، ويقدم له نفعا يفوق قيمة الأجر الذي كان يحصل عليه، فقرر عدم أخذ رسوم دراسية من والدته حتى أتم الشافعي تعليمه.
كما أشار الخطيب البغدادي إلى أن الإمام أبا حنيفة منح معلم ابنه حماد 500 درهم بعدما أتم الصبي دراسته وأتقن ما تعلمه.
ومن أغرب صور التكريم ما أورده أبو الفرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني» عن الشاعر أبي نواس، الذي تعلم القرآن على يد يعقوب الحضرمي، أحد أصحاب القراءات العشر، فلما أتم القراءة وأتقنها، ألقى إليه معلمه خاتمه وقال له: «اذهب فأنت أقرأ أهل البصرة»، في إشارة إلى اعتراف الأستاذ بتفوق تلميذه وتميزه.
كما خصص بعض العلماء والأثرياء جوائز مالية لمن يحفظون كتبا أو دواوين شعرية، إذ ذكر الحافظ المزي أن والد أبي تميلة المروزي وعبد الله بن المبارك كانا يمنحان درهما لمن يحفظ قصيدة شعرية.
ووصلت المكافآت في بعض الأحيان إلى مبالغ كبيرة، فقد أشار الذهبي إلى أن القاضي أبا زرعة الثقفي خصص 100 دينار لمن يحفظ كتاب «مختصر المزني»، بينما منح ملك دمشق المعظم عيسى الأيوبي 200 دينار لمن يتمكن من استظهار كتاب «الجامع الكبير» في الفقه.
كما رصد المعظم 100 دينار وخلعة لمن يحفظ كتاب «المفصل» للزمخشري، وهو ما دفع عددا من الطلاب إلى حفظه طمعا في الحصول على الجائزة.
الإجازة العلمية.. شهادة التخرج القديمة
من أبرز أوجه التشابه بين التعليم الإسلامي والأنظمة الجامعية الحديثة وجود شهادات علمية موثقة تمنح للطلاب بعد استكمال دراستهم، وكانت تعرف باسم «الإجازة»، وارتبط ظهورها في البداية بعلوم الحديث النبوي وطرق نقله وروايته.
فقد اعتمد علماء الحديث على وسائل متعددة لتلقي المعرفة، من بينها السماع المباشر من الشيخ، وقراءة الطالب من كتابه أمامه وتصحيح ما يرد فيه، إلى جانب المناولة، وهي أن يقدم الشيخ كتابه إلى تلميذه ويأذن له بروايته.
ومع مرور الوقت، تطورت الإجازة من مجرد إذن بنقل الأحاديث إلى وثيقة علمية يكتبها الشيخ لتلميذه، تتضمن اسمه وما درسه، وأسماء العلماء الذين تلقى عنهم، والعلوم التي أصبح مؤهلا لتدريسها أو الإفتاء فيها.
وكانت هذه الشهادات تمثل اعترافا من الجماعة العلمية بكفاءة الطالب، وتمنحه القدرة على الانتقال إلى مرحلة جديدة من حياته العلمية والمهنية، كما تتيح له نقل ما تعلمه إلى طلاب آخرين ومنحهم إجازات مماثلة.
وقدم الإمام القلقشندي في كتابه «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» نماذج تفصيلية لهذه الإجازات، ومن بينها إجازة حصل عليها بنفسه من شيخه ابن الملقن، تضمنت الإذن له بتدريس المذهب الشافعي وقراءة كتبه وتعليمها للآخرين، إلى جانب منحه الحق في الإفتاء لمن يطلب منه ذلك.
كما عرفت الحضارة الإسلامية شهادات في العلوم الطبيعية والمهن، ولم يقتصر الأمر على العلوم الدينية، إذ أمر الخليفة العباسي المأمون، ثم المعتصم، بإجراء اختبارات للصيادلة ومنحهم تراخيص لمزاولة المهنة.
وفي عهد الخليفة المقتدر بالله، صدرت تعليمات بمنع الأطباء من ممارسة الطب دون اجتياز اختبارات يشرف عليها كبير الأطباء سنان بن ثابت، الذي كان يمنح الناجحين وثائق مكتوبة تحدد أهليتهم لمزاولة المهنة.
ومن الشواهد المهمة على ذلك شهادة منحتها جامعة القرويين في مدينة فاس للطبيب والصيدلاني عبد الله بن صالح الكتامي عام 603هـ/1206م، وتضمنت إشادة بمهاراته في الطب والبيطرة والصيدلة، إلى جانب الإشارة إلى سلوكه وأخلاقه وأمانته، وهو ما يعكس أن التقييم العلمي لم يكن منفصلا عن المعايير المهنية والأخلاقية.
أزياء خاصة وألقاب أكاديمية
لم يقتصر التشابه بين حفلات التخرج الحديثة والتقاليد الإسلامية القديمة على الشهادات والجوائز، بل امتد إلى الملابس التي كان يرتديها العلماء والطلاب المتفوقون تعبيرا عن مكانتهم العلمية.
ومن أبرز هذه الأزياء «الطيلسان»، الذي ارتبط بلباس العلماء في مناطق واسعة من العالم الإسلامي، وذكر المؤرخون أن أبا يوسف القاضي كان من أوائل من ميزوا لباس العلماء بهذه الهيئة، بعدما كان الناس يرتدون ملابس متشابهة لا تميز أصحاب المكانة العلمية عن غيرهم.
وفي بعض الحالات، كان الأستاذ يتولى بنفسه إلباس الطيلسان لتلميذه بعد التأكد من تفوقه وتأهله، باعتبار ذلك تكريما علنيا يميزه عن أقرانه.
ومن الأمثلة على ذلك ما أورده الذهبي بشأن أبي الحسن ابن الجميزي، الذي ذكر أن شيخه ألبسه الطيلسان وشرفه به، بعدما تأكد من علمه ودينه وأهليته، وكتب له وثيقة تثبت مكانته العلمية.
وعرفت الأندلس أيضا أزياء مخصصة للطلاب المتفوقين، من بينها قلنسوة تسمى «القالص» أو «القالس»، وكان ارتداؤها مرتبطا بتحقيق مستويات علمية محددة، مثل حفظ كتاب «الموطأ» للإمام مالك، أو حفظ عشرة آلاف حديث، إلى جانب دراسة كتاب «المدونة» في الفقه المالكي.
كما عرف المتصوفة تقليد إلباس «خرقة التصوف» لمن يحصلون على الإجازة في طريقتهم، باعتبارها رمزا للانتماء إلى سلسلة من الشيوخ، ونوعا من الاعتراف بالمكانة التربوية والروحية.
وفي موازاة الأزياء، عرفت الحضارة الإسلامية ألقابا علمية تحدد مكانة أصحابها ومستوى تحصيلهم، ففي علوم الحديث ظهرت ألقاب مثل المسند والحافظ والحاكم، بينما عرف الفقه ألقاب الإمام والمجتهد والمحقق وحجة الإسلام وشيخ الإسلام.
أما في الطب والفلسفة، فقد اشتهر لقب «الشيخ الرئيس» الذي ارتبط بابن سينا، ليعكس مكانته العلمية الرفيعة في هذه المجالات.
وتؤكد هذه الشواهد التاريخية أن الاحتفاء بالخريجين وتكريم المتفوقين لم يكن ظاهرة حديثة أو تقليدا غربيا خالصا، بل امتلكت الحضارة الإسلامية تقاليد تعليمية متكاملة شملت الاحتفالات والجوائز والشهادات والأزياء والألقاب العلمية، وإن اختلفت أشكالها وتسمياتها عبر العصور.
وبينما تطورت مراسم التخرج في الجامعات الحديثة إلى حفلات منظمة تتضمن القبعات والملابس الأكاديمية والشهادات، تكشف المصادر التراثية عن جذور قديمة لفكرة الاحتفاء بالإنجاز العلمي، وتؤكد أن تقدير العلم وأهله كان قيمة راسخة في المجتمعات الإسلامية على اختلاف عصورها.

