شهدت أروقة مجلس النواب حالة من التذمر الواسع بعد تصرفات حكومية مستفزة، حيث ألغى وزراء في حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لقاءاتهم المجدولة مع النواب قبل موعدها بساعات قليلة.
​
​
وفي هذا السياق، فجر النائب عبد الله لاشين غضبه تحت قبة البرلمان، رافضاً تهرب وزير التعليم العالي ومسؤولين آخرين من مواجهة ممثلي الشعب وتجاهل مطالب دوائرهم الملحة والمشروعة.
​
​
تهرب حكومي يعمق أزمة الثقة المجتمعية
​
​
بينما تواصل الحكومة سياسة الأبواب المغلقة، تتعمق فجوة انعدام الثقة بين السلطة التنفيذية والمواطنين، إذ تتحول وعود المسؤولين بحل الأزمات إلى مجرد سراب يتبدد بمجرد انتهاء الفعاليات الرسمية.
​
​
من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور مصطفى كامل السيد أن هذه الممارسات تجسد خللاً هيكلياً في إدارة مؤسسات الدولة، وتعكس استخفافاً واضحاً بآليات الرقابة البرلمانية التي يفترض أن تمثل الإرادة الشعبية.
​
​
ولذلك، أصبحت غرف البرلمان شاهدة على تراجع دور النائب الخدمي والرقابي، حيث يتم تهميشه عمداً عبر اعتذارات اللحظة الأخيرة التي تُفرغ الجلسات من مضمونها وتعرقل مصالح ملايين المواطنين المطحونين.
​
​
علاوة على ذلك، يمثل غياب التعاون الفعال ضربة قاصمة لأي محاولة جادة لحل مشكلات الدوائر المحلية، فالوزراء المتعالون يفضلون الجلوس في مكاتبهم المكيفة بدلاً من الاستماع لأوجاع الشارع ومعاناته اليومية.
​
​
وبالتالي، تتراكم الملفات الشائكة فوق طاولات اللجان النيابية دون استجابة حقيقية، لتظل المشروعات معطلة والخدمات متدنية، مما يضاعف من حالة الغليان الشعبي ضد منظومة سياسية تفتقر لأبسط قواعد المساءلة الحقيقية.
​
​
غياب الرقابة يرسخ سطوة السلطة التنفيذية
​
​
في غضون ذلك، يرسخ التهرب الوزاري واقعاً مريراً تسيطر فيه السلطة التنفيذية على مقاليد الأمور بالكامل، متعمدة تحجيم أدوار المجالس المنتخبة وتحويلها إلى مجرد كيانات ديكورية لا تملك صلاحية المحاسبة.
​
​
بناءً على ذلك، يؤكد الفقيه الدستوري عصام الإسلامبولي أن الدستور منح النواب أدوات رقابية قاطعة، لكن التطبيق الفعلي يشهد تغولاً تنفيذياً يسحق مبدأ الفصل بين السلطات ويجعل الوزراء فوق المساءلة.
​
​
ومن ناحية أخرى، تبدو الحكومة غير عابئة بأصوات الاستياء المتصاعدة، مستمرة في اتباع نهج الفوقية الإدارية التي تتجاهل شكاوى المواطنين المتراكمة منذ شهر نوفمبر الماضي وحتى اللحظة الراهنة دون مبرر.
​
​
لذلك، يجد النائب نفسه في موقف حرج أمام أبناء دائرته، فهو غير قادر على انتزاع أبسط الحقوق أو ترتيب لقاء عابر مع وزير يرفض الخروج من برجه العاجي للاستماع للأزمات.
​
​
بالإضافة إلى ذلك، تثير تلك الانسحابات المتكررة تساؤلات مشروعة حول الجدوى الحقيقية لوجود مجالس نيابية، إذا كانت الحكومة تضرب بطلبات الاستدعاء عرض الحائط وتعتبر الحضور تفضلاً منها وليس واجباً دستورياً.
​
​
ونتيجة لذلك، يتسع نطاق الإحباط العام، حيث يرى الشارع أن أصوات ممثليه لا صدى لها، وأن القرارات المصيرية تُتخذ خلف أبواب موصدة بعيداً عن أي مشاركة شعبية أو نقاش برلماني.
​
​
سياسات الاستعلاء تفاقم أزمات المواطنين اليومية
​
​
على صعيد آخر، يدفع المواطن البسيط ضريبة هذا الاستعلاء الحكومي، إذ تتعطل مصالحه الحيوية المرتبطة بقطاعات خدمية كالصحة والتعليم العالي، وتتوقف عجلة التنمية في محافظات عديدة بسبب بيروقراطية مفرطة وتجاهل متعمد.
​
​
وفي هذا الشأن، يوضح الباحث في علم الاجتماع السياسي الدكتور عمار علي حسن أن انسلاخ المسؤولين عن الواقع يحولهم إلى جزر منعزلة، مما يعمق حالة الاغتراب السياسي ويدمر الثقة بالدولة.
​
​
ومع ذلك، تستمر القيادات التنفيذية في إطلاق وعود براقة، بينما يحتاج النائب منذ شهر يناير الماضي لانتظار 3 أشهر لمجرد عرض ورقة تخص مريضين في دائرته الانتخابية التي تعاني التهميش والإهمال.
​
​
بالمقابل، لا يبدو أن هناك نية حقيقية لتصحيح المسار المعوج، فالسياسات الحالية ترسخ منهجية الإفلات من المحاسبة، وتمنح الوزراء حصانة غير معلنة تحميهم من أي استجواب برلماني يعرقل مسيرتهم المنفردة.
​
​
علاوة على ما سبق، أصبحت طلبات الإحاطة حبيسة الأدراج المغلقة، تفقد قيمتها بمرور الوقت، في ظل تجاهل وزاري مقصود يهدف إلى تقزيم السلطة التشريعية وتجريدها من أسلحتها الرقابية الفعالة والمؤثرة.
​
​
وفي النهاية، تقف الجماهير العريضة حائرة أمام هذه المشاهد العبثية، تراقب تبخر أحلامها في الحصول على خدمات لائقة، بينما تواصل الحكومة مسلسل التعالي رافضة النزول إلى أرض الواقع المرير المأزوم.