تحولت مساحات الأراضي الزراعية التابعة لهيئة الأوقاف إلى ساحة صراع محتدم، بعدما فرضت السلطات زيادات إيجارية قاسية، متجاهلة الظروف الاقتصادية الطاحنة التي تفتك بصغار المزارعين وتدفعهم نحو هاوية الإفلاس.
وفي غضون ذلك، سارعت الوزارة إلى إلغاء العقود القديمة تحت مزاعم إعادة التقييم، لتفرض قيما مالية باهظة تقارب أسعار السوق المشتعلة، ما ينذر بتشريد آلاف الأسر المعتمدة على الزراعة.
لجان التقييم العشوائي تلتهم حقوق المزارعين
ومما زاد الطين بلة، أن الإجراءات الحكومية الصادرة في 4 ديسمبر 2025 استندت إلى ذرائع واهية تتعلق بإهدار أموال الوقف، لتبرير تشكيل لجان زراعية تفرض أعباء مالية مضاعفة على الفلاحين.
وعلاوة على ذلك، تجاهلت هذه اللجان المركزية والإقليمية الأوضاع المعيشية المتدهورة، وقسمت الأراضي إلى 4 فئات متفاوتة الجودة، لفرض رسوم جائرة تعتمد على الموقع ومستوى الخصوبة دون أي اعتبارات اجتماعية.
وبدوره، يرى الدكتور جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي، أن هذه القرارات تمثل ضربة قاصمة للقطاع، حيث تدفع المزارع الصغير لهجر أرضه نتيجة تراكم الديون وعجزه عن تلبية المتطلبات المالية.
وعلى نفس المنوال، تصاعدت حالة الغضب بين المنتفعين من الأراضي الوقفية، مع استمرار الإدارة الحالية في تجاهل الضوابط التي تضمن التوازن الفعلي بين حقوق المالك الأصلي وقدرات المزارع المنهك اقتصاديا.
ولم تقتصر المعاناة على رفع الرسوم السنوية، بل امتدت لتشمل حرمان المزارعين من حقوقهم الأساسية كصرف الأسمدة المدعمة، مما أجبرهم على اللجوء للسوق السوداء وتكبد خسائر فادحة تهدد محاصيلهم.
ومن جهة أخرى، تدعي الجهات الرسمية أن الزيادات تراعي الفروق بين المحافظات ولا تعتمد رقما موحدا، غير أن الواقع الميداني يثبت تعرض حائزي الأراضي لضغوط متعمدة تستهدف تحصيل أموال إضافية.
سياسات جباية تتخفى خلف الأسعار العادلة
وفي سياق متصل، برر المتحدث الرسمي للأوقاف هذه التدابير بأنها محاولة للاقتراب من القيمة السوقية، مقرا بأن الأسعار المستهدفة تقل بنسبة تتراوح بين 10 و 15 بالمئة فقط عن نظيرتها بالسوق.
وبالتالي، أصبحت الفجوة بين قدرة الفلاح على السداد والمبالغ المطلوبة شاسعة، خاصة مع تطبيق خطط استبدال الأراضي التي تسمح بتملك مساحات تصل إلى 3 أفدنة بشروط تمويلية تزيد من أعبائهم.
ومن جانبه، يوضح الدكتور أحمد مهران، أستاذ القانون العام، أن تعديل العقود القديمة بهذه الطريقة المتعسفة يخل بمبدأ استقرار المراكز القانونية، ويحول العلاقة الإيجارية إلى أداة ضغط تفتقر للعدالة.
ونتيجة لذلك، وجد المزارعون أنفسهم أسرى لمبادرات البنك الزراعي، التي تعرض تمويلات تمتد لنحو 20 عاما بفوائد تبلغ 12 بالمئة، ما يجعل التملك الفعلي فخا يغرقهم في مستنقع القروض المستديمة.
وإلى جانب ذلك، تتجاهل الوزارة المطالبات بمساواة إيجارات الأراضي الوقفية بمعايير أراضي الإصلاح الزراعي، مفضلة المضي قدما في فرض سياسة الأمر الواقع التي تخدم منظومة التحصيل على حساب الإنتاجية.
وبناء على ما سبق، يواجه حائزو الأراضي أزمة حقيقية في ظل إصرار السلطات على تحصيل مستحقات متأخرة، مما يعرقل أي محاولات جدية للوصول إلى تسويات تحفظ حقوق صغار الفلاحين المقهورين.
ساحات المحاكم تنتظر ضحايا العقود الجديدة
ومن ناحية أخرى، أقر رئيس هيئة الأوقاف باستمرار تلقي طلبات التصالح على القيم الإيجارية القديمة، في محاولة لامتصاص الغضب المتصاعد عقب اجتماع 6 يوليو 2026، مؤكدا عدم احتساب غرامات للحول الجاري.
ومع ذلك، بقيت غرامات السنوات السابقة سيفا مسلطا على رقاب الفلاحين، إذ تشترط الهيئة دفع تلك المستحقات بأثر رجعي، وهو ما يتجاوز العوائد الفعلية الناتجة عن زراعة الأرض بأضعاف فلكية.
وفي هذا الشأن، يؤكد المهندس حسام رضا، الخبير الزراعي، أن تفريغ القرى من المزارعين عبر سياسات مالية خانقة يقود لانهيار منظومة الغذاء، مشددا على حتمية جدولة الديون ووقف التقييمات الجزافية.
وفضلا عن ذلك، تؤسس هذه الإجراءات الصارمة لبيئة خصبة للنزاعات، حيث يتجه آلاف المتضررين إلى ساحات القضاء للطعن في سلامة قرارات تعديل القيمة الإيجارية وتوقيت فرضها بشكل مفاجئ وغير مدروس.
ولذلك، تظل الضوابط التعاقدية هي الفيصل الوحيد أمام المحاكم، التي ستتولى فحص العقود المبرمة للبت في مدى مشروعية الزيادات التي تفرضها الأوقاف دون مراعاة للبعدين الاقتصادي والاجتماعي للفلاح البسيط.
وفي النهاية، تبدو سياسات تعظيم الموارد التي تنتهجها الإدارة الحالية مجرد واجهة لتعويض العجز المالي، بينما يدفع المزارع الفاتورة كاملة من قوت يومه، ليصبح الاستثمار الوقفي سلاحا يدمر الإنتاج الزراعي.

