تتسع دائرة الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، مع تصاعد عمليات هدم المنشآت والمساكن، وإجبار عائلات فلسطينية على إخلاء أماكن إقامتها، بالتزامن مع هجمات المستوطنين التي تستهدف الأراضي الزراعية والممتلكات ومصادر الرزق.
وشهدت مناطق في محافظات الخليل ونابلس وطوباس والقدس، الثلاثاء، سلسلة من الاعتداءات شملت هدم محلات تجارية ومنشآت سكنية، وإحراق مركبات، ومنع مزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وعرقلة وصول أطفال إلى مدارسهم، فضلا عن تهجير عائلات من تجمعات بدوية تحت ذرائع عسكرية.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار سياسات التضييق والاستيطان، التي تتداخل فيها الإجراءات العسكرية مع اعتداءات المستوطنين، بما يهدد استقرار التجمعات الفلسطينية ويزيد من مخاطر التهجير القسري، خصوصا في المناطق التي تتمتع بأهمية جغرافية واستراتيجية بالنسبة للمشروعات الاستيطانية الإسرائيلية.
هدم محلات وإخلاء عائلات بالخليل وطوباس
وفي محافظة الخليل، هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي خمسة محلات تجارية على طريق حسكا، الذي يربط بين بلدتي بيت كاحل وحلحول شمال غربي المدينة، بعدما اقتحمت المنطقة برفقة ثلاث آليات ثقيلة، ونفذت عملية الهدم للمحال التي تعود ملكيتها للمواطن الفلسطيني عدنان القواسمة.
وتأتي هذه العملية ضمن سلسلة طويلة من الإجراءات التي تستهدف المنشآت الفلسطينية في المحافظة، التي تتصدر مناطق الضفة الغربية من حيث إخطارات الهدم ووقف البناء الصادرة عن سلطات الاحتلال.
ووفقا لبيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، بلغ عدد إخطارات الهدم ووقف البناء التي رصدتها الهيئة في محافظة الخليل 2697 إخطارا منذ عام 2015 وحتى نهاية سبتمبر 2026، من إجمالي 9518 إخطارا وثقتها في الأراضي الفلسطينية خلال الفترة نفسها.
وسجلت الخليل وحدها 102 إخطار خلال النصف الأول من عام 2026، وهو العدد الأعلى بين محافظات الضفة الغربية، بما يعكس حجم الضغوط المفروضة على السكان والمنشآت الفلسطينية في المحافظة.
وفي محافظة طوباس شمالي الضفة، أجبرت قوات الاحتلال خمس عائلات فلسطينية على إخلاء خيامها في منطقة الرأس الأحمر، بحجة إجراء تدريبات عسكرية، حيث استمرت إجراءات الإخلاء من الخامسة صباحا وحتى الثانية ظهرا.
وقال رئيس مجلس قروي عاطوف والرأس الأحمر عبد الله بشارات إن المنطقة تتعرض منذ أشهر لاعتداءات وإجراءات تضييق متواصلة، تشمل الحصار وإغلاق الطرق والاعتداء على الفلسطينيين وممتلكاتهم.
وأضاف أن هذه الممارسات دفعت عشرات العائلات إلى مغادرة التجمع خلال الفترة الماضية، في ظل تزايد القيود المفروضة على حركة السكان وقدرتهم على مواصلة حياتهم بصورة طبيعية.
هجمات المستوطنين تطال المزارعين والطلاب
وبالتزامن مع عمليات الهدم والإخلاء، شهدت مناطق متفرقة من الضفة الغربية والقدس تصعيدا في اعتداءات المستوطنين، التي طالت الأراضي الزراعية والمركبات والممتلكات الفلسطينية.
ففي بلدة بيت عنان شمال غربي القدس المحتلة، أصيب عدد من الفلسطينيين بالاختناق، بعدما أطلقت قوات الاحتلال قنابل الغاز والصوت تجاه عشرات المواطنين الذين حاولوا الوصول إلى أراضيهم الزراعية في منطقتي السلاقات والبريج.
ومنعت القوات السكان من الوصول إلى أراضيهم وقطف محصول الزيتون، بالتزامن مع هجمات شنها مستوطنون على المواطنين، تحت حماية قوات الاحتلال، في محاولة لعرقلة وصول المزارعين إلى مصادر رزقهم.
وفي محافظة نابلس، أضرم مستوطنون النار في مركبتين بقرية مجدل بني فاضل جنوب المدينة، بعدما اقتحموا المنطقة الشمالية من القرية خلال ساعات الفجر، وأحرقوا سيارتين تعودان للمواطنين وديع زين الدين وعلاء زين الدين، كانتا متوقفتين أمام منزليهما.
وامتدت الاعتداءات إلى مسافر يطا جنوب الخليل، حيث قطع مستوطنون، بحماية قوات الاحتلال، الطريق أمام طلبة خربة اصفي، واحتجزوهم أثناء توجههم إلى مدارس المجاز والفخيت.
وتشكل هذه الممارسات تهديدا مباشرا لحق الأطفال في التعليم، خصوصا في التجمعات السكانية التي تعاني بالفعل من قيود الحركة والاعتداءات المتكررة.
كما استهدف مستوطنون البيوت البلاستيكية الزراعية قرب قريتي بردلة وكردلة في الأغوار الشمالية، في اعتداء جديد على ممتلكات المزارعين ومصادر دخلهم، وفق الناشط الحقوقي عارف دراغمة.
وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذت قوات الاحتلال والمستوطنون 3133 اعتداء ضد الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم خلال أكتوبر الماضي، في مؤشر على اتساع نطاق الاعتداءات وتعدد أشكالها.
القدس الشرقية تحت ضغط الهدم والاستيطان
وفي شرق القدس المحتلة، هدمت قوات الاحتلال أربع منشآت سكنية في تجمع بئر المسكوب البدوي، إلى جانب ألواح للطاقة الشمسية وغرف ودورات مياه، كما أخطرت خمس منشآت أخرى بالهدم.
وقالت محافظة القدس إن قوات الاحتلال اقتحمت التجمع برفقة طواقم ما تسمى الإدارة المدنية، ونفذت عمليات الهدم، بعد أيام من اقتحامه من جانب منظمة ريغافيم الاستيطانية، التي تنشط في التحريض على المنشآت الفلسطينية وملاحقة أعمال البناء في المناطق المستهدفة.
وأشارت المحافظة إلى أن المنظمة سبق أن حرضت على مبان سكنية في بلدة عناتا تضم مئات الشقق، قبل صدور إخطارات بهدمها، كما تواصل حملات مماثلة في مناطق أخرى، بينها العيزرية.
ولم تكن عملية الهدم الأخيرة الأولى من نوعها في بئر المسكوب، إذ اقتحم مستوطن مسلح التجمع في السادس من أكتوبر الماضي، وطالب السكان بإخلائه بزعم ملكيته للأرض، قبل أن يتمكن الأهالي من التصدي له وإجباره على المغادرة.
كما تعرض بئر المياه التابع للتجمع لاعتداءات متكررة، شملت إلقاء مواد وأجسام مجهولة داخله، وهو ما يهدد مصدرا أساسيا يعتمد عليه السكان والتجمعات البدوية المجاورة في توفير مياه الشرب واحتياجاتهم اليومية وسقاية المواشي.
مخطط E1 يهدد التواصل الجغرافي الفلسطيني
وتكتسب الاعتداءات في التجمعات البدوية شرقي القدس أهمية خاصة بسبب موقعها ضمن نطاق المنطقة المعروفة باسم E1، التي تسعى إسرائيل من خلالها إلى ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس المحتلة عبر التوسع الاستيطاني.
ويثير هذا المخطط مخاوف فلسطينية ودولية من تقطيع أوصال الضفة الغربية وفصل القدس عن محيطها الفلسطيني، بما يؤدي إلى إضعاف التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية، ويزيد من احتمالات تهجير السكان المقيمين في المناطق المستهدفة.
وكانت سلطات الاحتلال قد أقرت خلال عام 2025 مخططات لبناء 3401 وحدة استيطانية في منطقة E1، وسط تحذيرات أممية من التداعيات الخطيرة لهذه المشروعات على مستقبل الأراضي الفلسطينية وإمكانية إقامة دولة متصلة جغرافيا.
ووفقا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، هدمت سلطات الاحتلال منذ عام 2009 أكثر من 500 منشأة فلسطينية في 18 تجمعا بدويا تقع ضمن المنطقة المخصصة لمخطط E1، ما أدى إلى تهجير أكثر من 900 فلسطيني.
وشملت عمليات الهدم مساكن ومنشآت خدمية وحظائر للماشية، فضلا عن منشآت وفرتها جهات مانحة لتلبية الاحتياجات الإنسانية للسكان.
وفي 25 مايو 2026، حذر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من مخاطر التهجير القسري لسكان تجمع الخان الأحمر البدوي، مطالبا سلطات الاحتلال بوقف إجراءات إخلائه ووقف التوسع الاستيطاني في المنطقة، ومعتبرا أن نقل السكان قسرا قد يشكل جريمة حرب.
ريغافيم ودور في ملاحقة البناء الفلسطيني
وتبرز منظمة ريغافيم باعتبارها أحد الأطراف المشاركة في ملاحقة الوجود العمراني الفلسطيني، إذ تأسست عام 2006، وتعمل على رصد أعمال البناء وتصوير المنشآت الفلسطينية وتقديم الشكاوى والضغوط للجهات الإسرائيلية المختصة، بهدف دفعها إلى إصدار أوامر الهدم ووقف البناء.
وأدرج الاتحاد الأوروبي المنظمة ضمن قائمة العقوبات في 28 مايو 2026، على خلفية دورها في تسهيل وتشجيع ممارسات تستهدف الممتلكات والمنازل الفلسطينية وتفضي إلى التهجير القسري.
الخليل في قلب سياسة التضييق
ويأتي التصعيد الأخير في ظل تاريخ ممتد من الإجراءات الإسرائيلية التي تستهدف مدينة الخليل، التي تمثل مركزا اقتصاديا وتجاريا رئيسيا في جنوب الضفة الغربية، وترتبط بها عشرات البلدات والقرى المحيطة.
وبموجب بروتوكول الخليل الموقع عام 1997، قسمت المدينة إلى منطقتين، إتش 1 الخاضعة للسيطرة الفلسطينية، وتشكل نحو 80% من مساحتها، وإتش 2 التي تخضع للسيطرة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، وتضم البلدة القديمة ومناطق حيوية.
وتنتشر في المنطقة الثانية بؤر استيطانية داخل النسيج العمراني الفلسطيني، بينها بيت هداسا وبيت رومانو وأبراهام أفينو وتل الرميدة، وتحيط بها حواجز عسكرية وقيود على الحركة، ما أدى إلى تدهور الأوضاع المعيشية والتجارية للسكان.
وكانت الخليل قد شهدت خلال الفترة الأخيرة عملية عسكرية إسرائيلية استمرت عشرة أيام، وأسفرت، وفقا لمعطيات بلدية الخليل، عن نزوح وتضرر أكثر من 3300 مواطن، وهدم 15 منزلا ومنشأة، وإغلاق 327 متجرا، فضلا عن خسائر يومية مباشرة قاربت 12 مليون شيكل، وحرمان نحو 80 ألف طالب وطالبة من الوصول إلى مدارسهم.

