محمد أبو رمان
أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع
يصف تقرير البنك الدولي عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان (أكتوبر 2026) "سد الفجوات واغتنام الفرص: الذكاء الاصطناعي والوظائف والنمو"، بدقة كيف اهتزّ الاقتصاد، لكنه يتوقف عند العتبة التي يبدأ عندها السؤال الأخطر: ماذا سيفعل هذا الاهتزاز بالمجتمعات؟
البداية من الخليج، فالحرب التي انفجرت على خلفية المواجهة الأميركية الإيرانية أغلقت مضيق هرمز فعليًا، وهو الممر الذي يعبره عادةً نحو خُمس النفط والغاز المتداولين عالميًا، وقد هبط إنتاج المنطقة من نحو 26 مليون برميل يوميًا إلى قرابة 16 مليونًا في مارس، ويتوقع التقرير أن ينكمش اقتصاد دول مجلس التعاون بنسبة 4.3% هذا العام، أي بحجم انكماش جائحة كورونا، وأن يتراجع الاقتصاد القطري بنسبة 20.9%، في أسوأ أداء له منذ أكثر من خمسة عقود، أما العراق فسيفقد 12.4% من ناتجه، والمنطقة بأسرها تنكمش 2.1% بعد نمو بلغ 3.3% العام الماضي.
مفتاح الأزمة عبارة قصيرة في التقرير مختلفة هذه المرّة عما حدث سابقًا، ففي 2022 أنعشت حرب أوكرانيا خزائن المصدّرين، أما اليوم فالقيد هو ما يمكن تصديره لا سعره، لأنّ الدول التي لا منفذ لها سوى المضيق، كقطر والكويت والبحرين والعراق، قد تلقّت الضربة الأقسى، فيما خفّفت الطرق البديلة وطأتها على السعودية والإمارات وعُمان، بمعنى أنّ الجغرافية، لا السوق، صارت تحدد مصير الاقتصادات الريعية.
بيد أنّ الزلزال لا يتوقف عند حدود الخليج، إذ يرصد التقرير تراجعًا في السياحة والطيران والخدمات اللوجستية، وارتفاعًا في كلف النقل والشحن ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء، وضبابية تؤجل قرارات الاستثمار، وأسعار فائدة مرتفعة تضيّق هامش الحكومات والشركات، فتكفي قراءة هذه العناصر معًا لرسم خريطة العدوى: بلدان تعيش على تحويلات أبنائها العاملين في الخليج، كمصر والأردن ولبنان وباكستان، ستشعر بالصدمة حين تتباطأ المشاريع وتتقلّص الوظائف هناك، وبلدان تعتمد على السياحة ستخسر موسمًا لا يعوّض، وبلدان تستورد غذاءها ستدفع ثمن كل يوم إضافي من إغلاق الممرات.
في هذا السياق يصبح التضخم سؤالًا اجتماعيًا لا رقمًا نقديًا، فمثلًا في قطر نفسها تجاوز تضخم أسعار الغذاء 12%، بينما بقي التضخم العام فوق 2% بقليل، وفي البحرين وعُمان تخطى 7%، فالفجوة بين الرقمين تختصر ما يعيشه الناس فعلًا: المؤشر العام يطمئن، وسلة الخبز والزيت والخضار تشتعل، ولعلّ السؤال المسكوت عنه في هذا التقرير، أو ربما لم يكن موضع اهتمامه وتركيزه: إذا كان هذا حال أغنى الاقتصادات، فإن الأسر في الدول متوسطة الدخل والهشة، التي تنفق نصيبًا أكبر من دخلها على الغذاء والطاقة، تقف على حافة مختلفة تمامًا، بخاصة أنّ التقرير يعترف بأن منطقتنا هي الوحيدة في العالم التي ما زال الفقر فيها يرتفع، ويحذّر من ظاهرة النينيو المتوقعة في أواخر العام، التي قد تزيد الضغط على أسعار الغذاء.
الخشية أنّ استمرار الأزمة يعني أن هذه الضغوط لن تبقى عابرة، فالبطالة التي يغذّيها تجميد الاستثمار ستصيب أولًا الشباب الداخلين إلى سوق العمل، والنساء العاملات في السياحة والخدمات والاقتصاد غير الرسمي، والعمالة الوافدة التي تتلقى الصدمة في الخليج ثم تنقلها إلى بيوتها في القاهرة وعمّان وكراتشي، وهذه الفئات تكاد تغيب عن التقرير، رغم أنها ستحمل العبء الأثقل، بالرغم من أن التقرير نفسه يحذّر من تحوّل الصدمة المؤقتة إلى خسائر دائمة في رأس المال البشري.
من الضروري، هنا، أن ننتبه إلى ما يحدث خارج نطاق المنطقة، إذ تقدم أوروبا هذا الخريف مؤشرًا لا ينبغي تجاهله، فهذه المجتمعات التي تملك شبكات حماية راسخة ومؤسسات تمثيل فاعلة لكنها خرجت إلى الشوارع احتجاجًا على فواتير الطاقة وكلفة المعيشة والسكن، فكيف سيكون الأمر في منطقة تتآكل فيها الطبقة الوسطى، وتعجز فيها موازنات الدول عن الدعم، ويغيب فيها التمثيل السياسي الحقيقي، إلاّ أن نضع في حساباتنا أنّ الغضب الاجتماعي قد يتحول سريعًا إلى أزمة سياسية.
ربما تسعفنا ذاكرة 2011 و2019 في قراءة تلك العواقب، فهي ما زالت قريبة، والدول غير النفطية الأكثر هشاشة هي المرشحة الأولى لدفع الثمن، مثلما حدث بعد الأزمة العالمية في عام 2008، فتجاهل هذا الاحتمال في تقرير يرسم آفاق المنطقة ثغرة لا تقل خطورة عن الأرقام نفسها.
يقدم التقرير سيناريو متفائلًا: إذا تراجع الصراع قبل نهاية العام، يقفز النمو إلى 7.8% في 2027، لكن معدّيه يعترفون بأن القفزة أثر لسنة الأساس، استعادة لما ضاع لا تحسّن في الإنتاجية. التعافي، بهذا المعنى، ليس تنمية.
في المقابل، يراهن التقرير على الذكاء الاصطناعي رافعةً للمرحلة المقبلة، ويرى أنه قد يرفع إنتاجية ما بين 13% و20% من الوظائف، بينما لا تهدد الأتمتة سوى أقل من 10% منها في الأجل القريب، إلاّ أنّ أرقامه الأخرى تكشف حجم المسافة، فهنالك 16% فقط من شركات المنطقة قدّمت منتجًا جديدًا خلال ثلاث سنوات مقابل 29% في الاقتصادات الصاعدة، والمؤسسات المملوكة للدولة تستأثر بما بين 20% و50% من القيمة المضافة، والعربية لا تتجاوز 1% من بيانات تدريب النماذج الكبرى رغم أن أكثر من 500 مليون إنسان يتحدثونها.
في المجمل، تتبدّى أزمة الذكاء الاصطناعي في المنطقة بوصفها أزمة حوكمة واقتصاد سياسي قبل أن تكون أزمة خوارزميات، فمن دون قطاع خاص يتنفس، وتعليم يصنع التفكير النقدي، ومساحة للحرية والمساءلة، سيتحول هذا الوعد إلى فجوة جديدة: نخب رقمية في عواصم قليلة، وأطراف تستهلك ما يُنتجه غيرها، فقد يكون السؤال الذي يطرحه البنك الدولي كيف نستفيد من الذكاء الاصطناعي، أما السؤال الذي تفرضه الأزمة أبعد من ذلك: من سيدفع فاتورة هرمز، ومتى تُقدَّم للمجتمعات؟

