اصطدمت المنظومة الصحية في مصر بأزمات تشغيلية خانقة خلال الأشهر الماضية، حيث تراجعت كفاءة المستشفيات الحكومية وتجمدت أعمال التطوير في عدة محافظات، نتيجة تقليص مخصصات الرعاية الطبية وتراجع التمويل الحكومي الموجه لدعم العلاج المجاني للمواطنين.
وفي هذا السياق، تجاوزت الأزمة حدود التحركات البرلمانية الشكلية لتطال البنية التحتية الأساسية، بعدما عجزت الموازنة العامة عن مجاراة التضخم المتسارع وانهيار العملة المحلية، مما أسفر عن شلل شبه تام أصاب الوحدات العلاجية ومراكز الطوارئ.
تعثر المشروعات الإنشائية وتجميد مستشفيات الأقاليم
وبناءً على ذلك، تعطلت أعمال إحلال وتجديد مستشفى البلينا المركزي بمحافظة سوهاج لأكثر من 8 أعوام، حيث تحول المشروع إلى هيكل خرساني مهجور إثر توقف الاعتمادات المالية المخصصة لشركات المقاولات المنفذة، وتراكم مستحقاتها دون سداد.
ونتيجة لهذا التعثر، اضطرت الإدارة الصحية إلى نقل العيادات والأقسام الحيوية لمبانٍ بديلة تفتقر للحد الأدنى من الاشتراطات الطبية ومكافحة العدوى، مما أجبر آلاف المرضى في صعيد مصر على قطع مسافات طويلة لبلوغ مستشفيات بديلة.
وعلاوة على ذلك، واجهت مستشفى شبين الكوم الجديدة بمحافظة المنوفية مصيراً مشابهاً من التعطيل المستمر، إذ بقيت المنشأة عاجزة عن العمل بكامل طاقتها الاستيعابية نتيجة غياب التجهيزات الرأسمالية المتطورة وتأخر استيراد غرف الرعاية المركزة الضرورية.
وفي مسار متصل، ضرب الشلل مستشفيات محافظة البحيرة جراء نقص الكوادر التخصصية وهجرة الأطباء المستمرة، فضلًا عن تراجع كفاءة ما يزيد على 10 مستشفيات مركزية تعاني من تهالك شبكات الغازات الطبية وانعدام غرف العمليات المجهزة.
ومن جانبه، يوضح الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب أطباء مصر وأستاذ التخدير بكلية طب جامعة القاهرة، أن تجميد المشروعات الصحية يعود بالأساس إلى تدني مخصصات القطاع ضمن الموازنة العامة، وتفضيل الإنفاق على مشروعات أخرى غير خدمية.
وتأسيساً على ذلك، أسهم هذا الخلل البنيوي في تحويل المنشآت الطبية بالمحافظات إلى واجهات أسمنتية خاوية تلتهم المليارات دون تقديم خدمة حقيقية للمواطن، مما فاقم طوابير الانتظار في المستشفيات الجامعية الكبرى بالعاصمة لشهور طويلة.
أزمة الدواء الحادة واستنزاف التأمين الصحي
وإلى جانب ذلك، تفجرت أزمة خانقة في صيدليات الهيئة العامة للتأمين الصحي، تجلت في الاختفاء التام لأصناف حيوية تخص علاج الأورام، وأمراض السكر، والضغط، والفشل الكلوي، واضطرار المرضى لشراء بدائلها بأسعار مضاعفة من السوق الحرة.
ومما عمق الكارثة، أن إنخفاض قيمة الجنيه المصري المتكرر أدى إلى عجز الشركات القابضة عن استيراد المواد الخام الفعالة، مما تسبب في توقف إنتاج أكثر من 1000 صنف دوائي أساسي يمثل العمود الفقري لبروتوكولات العلاج الحكومي.
وبالتوازي مع هذا، واجهت عيادات التأمين الصحي بمحافظة الشرقية شحاً حاداً في أدوية المناعة ومثبطات الأورام، حيث تراكمت شكاوى المستفيدين في مدن المحافظة نتيجة نفاد الأرصدة الشهرية منذ منتصف كل شهر، دون تعويض المخزون الاستراتيجي.
وفي السياق التحليلي، يؤكد الدكتور علاء غنام، خبير السياسات الصحية ومدير برنامج الحق في الصحة، أن أزمة الأدوية متجذرة في نمط تسعير جبري مشوه، وسوء إدارة موارد صناديق التأمين الصحي وتوجيهها لأوعية مصرفية بدلًا من الإنفاق الطبي.
واستناداً إلى الوقائع، بلغت مديونيات هيئة الشراء الموحد لصالح شركات ومصانع الأدوية مليارات الجنيهات، مما دفع الموردين إلى الامتناع عن توريد طلبيات التأمين الصحي، وترك المرضى تحت وطأة تسعيرة تجارية غير خاضعة لأي رقابة صارمة.
ومن هذا المنطلق، سقطت منظومة الحماية الدوائية تاركة أكثر من 50 مليون مواطن مقيدين بالتأمين الصحي فريسة للاستغلال المالي، في ظل تقليص الدعم الدوائي السنوي بصورة تدريجية لصالح بنود سداد فوائد الديون وعجز الموازنة.
عجز المستلزمات وتهديد بنوك الدم الإقليمية
وفي مسار متفاقم، امتد العجز البنيوي ليطال المستلزمات الطبية الاستراتيجية داخل غرف العمليات ووحدات الغسيل الكلوي، حيث نفدت فلاتر التنقية وقساطر القلب التداخلية، وتأجلت مئات الجراحات العاجلة في المستشفيات الحكومية لأسابيع متتالية لغياب أدوات التخدير.
وعلاوة على ذلك، ألزمت إدارات المستشفيات أسر المرضى بشراء الخيوط الجراحية والقفازات المعقمة والسرنجات من الصيدليات الخاصة بالخارج، لتتحول مقرات الطوارئ المجانية إلى مراكز جباية مباشرة تفرض أعباءً مالية باهظة على الفئات الأكثر فقراً واحتياجاً.
ومما زاد الطين بلة، أن خطط تشغيل مراكز تجميع ونقل الدم والبلازما الإقليمية تعثرت نتيجة توقف سلاسل استيراد المحاليل الكاشفة وأكياس الدم الثلاثية المعقمة، مما خلق عجزاً حاداً في مشتقات الألبومين وعوامل التجلط اللازمة لإنقاذ مصابي الحوادث.
وبناءً على المعطيات، تحول المشروع القومي لتجميع وتصنيع مشتقات البلازما إلى دعاية استعراضية لم تحقق اكتفاءً ذاتياً، حيث ما زالت بنوك الدم الإقليمية في المحافظات تعتمد على استيراد المشتقات بأسعار باهظة وسط شح احتياطي العملات الأجنبية.
ومن جانبه الميداني، يشدد الدكتور إيهاب الطاهر، عضو مجلس نقابة أطباء مصر السابق واستشاري جراحة الأنف والأذن، على أن إخضاع استيراد المستلزمات لآليات مركزية بطيئة أدى إلى شلل جراحي تام، وألقى بالمسؤولية الجنائية والأخلاقية على عاتق الأطباء وحدهم.
وفي المحصلة النهائية، تظل طلبات الإحاطة البرلمانية مجرد مسكنات شكلية لتفريغ الغضب الشعبي، بينما يستمر الانهيار الهيكلي نتيجة تجريف الموازنة العامة، وتجاهل الحق الدستوري في الرعاية الصحية لصالح أولويات إنفاق لا تخدم صحة ملايين المواطنين.

