عكست نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية تحولاً جذرياً في المزاج السياسي العام نحو قضايا الشرق الأوسط، وسط تصاعد الضغوط الشعبية لإنهاء حرب إيران وإعادة تقييم الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل عقب فوز الديمقراطيين بأغلبية الكونجرس.
وفي ضوء تلك الهزيمة المدوية، سارع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى تحميل المواجهة المسلحة مسؤولية الخسارة السياسية، مشيراً إلى أن التدخل العسكري الخارجي تسبب في موجة استياء واسعة بين صفوف الناخبين الأميركيين.
تداعيات الهزيمة الانتخابية داخل معسكر الجمهوريين
ومن هذا المنطلق، أكد فانس عبر منصة إكس أن السبب المباشر وراء خسارة حزبه يتمثل في قرار دونالد ترمب مهاجمة إيران في وقت سابق من العام الحالي، معترفاً بصواب تحذيرات المنتقدين الذين عارضوا إشعال الحرب.
وعلاوة على ذلك، عكست تصريحات فانس مسعى واضحاً للتمايز عن الرئيس بهدف التمهيد لخوض سباق الرئاسة لعام 2028، في حين لقي منشوره تأييداً من دونالد ترمب الابن وسط تحولات عميقة تشهدها السياسة الخارجية للإدارة الحالية.
وبناءً على ما تقدم، يستعد الحزب الديمقراطي لبدء انعقاد الكونجرس الجديد في شهر يناير بأغلبية كبيرة في مجلسين تشريعيين، يضم بينهما نواباً يطالبون بإعادة صياغة الروابط مع إسرائيل تلبية لتفويض شعبي رافض للحروب وتكاليفها الباهظة.
وفي السياق ذاته، أوضح السيناتور بيتر ويلش وجود إجماع ديمقراطي غير مسبوق يعبر عن الرفض التام وانعدام الثقة تجاه حكومة بنيامين نتنياهو، مما يعكس هوة واسعة بين واشنطن والقيادة الإسرائيلية المتطرفة خلال المرحلة الراهنة.
ومن جانب آخر، تتأهب الأغلبية الجديدة لفرض قيود صارمة على المساعدات الموجهة إلى إسرائيل، وإلزام ترمب بإنهاء الصراع مع طهران، بالتزامن مع تجميد تشريع يقوده الجمهوريون لتوطيد التعاون المشترك بين قطاعي الصناعات الدفاعية للبلدين.
وبالتوازي مع هذا، صرح ويلش بأن آثار الانتخابات تكتسب أبعاداً عميقة وغير مسبوقة، إثر تحول الحرب على قطاع غزة ودور نتنياهو في توريط القوات الأميركية بالحرب الإيرانية إلى قضيتين رئيسيتين حسمتا توجهات أصوات الناخبين الغاضبين.
تحولات جذرية تعصف بالتحالف مع إسرائيل
واستناداً إلى تلك الوقائع، تتسع تداعيات التحول لتتجاوز المواجهة المستمرة ضد إيران منذ نحو 9 أشهر، متجاوزة تقاليد راسخة جعلت دعم إسرائيل ركيزة سياسية عابرة للأحزاب لعقود طويلة، لصالح رغبة شعبية باتت تفرض تغييراً شاملاً.
ومن ناحية ثانية، فسر فانس تصويت المواطنين للديمقراطيين برغبتهم الحازمة في وقف النزاعات العسكرية، والحد من غلاء المعيشة، وتطبيق مبدأ أميركا أولاً على أرض الواقع، إضافة إلى إحداث تعديل جوهري وصريح في الشراكة مع إسرائيل.
وفي غضون ذلك، نجح الديمقراطيون في استثمار هذا السخط الشعبي لانتزاع مقاعد بارزة في مجلس الشيوخ من قبضة الجمهوريين ضمن معاقلهم التقليدية في تكساس وكانساس وساوث كارولاينا، الأمر الذي غير خريطة التوازنات السياسية بصورة لافتة.
ونتيجة لهذا التحول، سجلت أسعار النفط العالمية تراجعاً ملحوظاً عقب تصريحات فانس، وسط ترقب واسع لإنهاء المعارك بفضل الصلاحيات الدستورية التي تمنح الكونجرس وحده سلطة إعلان الحروب الرسمية والتحكم التام في بنود الموازنة العامة للبلاد.
وبحسب التقديرات الجارية، أبدى ترمب إرهاقاً واضحاً من استمرار النزاع، مؤكداً يوم الثلاثاء عدم نيته شن ضربات جديدة ضد طهران حالياً، رغم قيام الجيش الأميركي بقصف جزيرة قشم يوم الاثنين وإبقاء قواته في حالة تأهب قصوى.
وفي إطار هذه المستجدات، تجسد التغير السياسي في ولاية ميشيجان بانتخاب الديمقراطي عبد الرحمن السيد لعضوية مجلس الشيوخ، إثر حملة ركزت على الربط الوثيق بين غلاء المعيشة وتوجيه أموال دافعي الضرائب لتمويل إسرائيل والحروب الإقليمية.
تنامي الغضب الشعبي وانكسار نفوذ أيباك
وإضافة إلى ما سبق، حاول ترمب وفانس وسم السيد بالتطرف ومعاداة السامية، غير أن الرئيس فاجأ المراقبين وحكومة إسرائيل صباح الاقتراع بإعلانه عبر شبكة فوكس نيوز اعتزامه وقف المعونات السنوية البالغة قيمتها 3.8 مليار دولار لتل أبيب.
ومن جهة مقابلة، برر ترمب خطوته باعتبار الدعم المالي مادة لانتقادات حادة، متسائلاً عن جدوى تلقي الهجمات بسبب تل أبيب، ورغم هذا التراجع المتأخر نجح السيد في الفوز، وسط شكوك حول تنفيذ خطة قطع التمويل فعلياً.
وعلى هذا النحو، أظهر استطلاع أجراه مركز بيو في شهر يوليو الماضي تراجعاً حاداً في شعبية إسرائيل، إذ عبر 62% من الأميركيين عن نظرة سلبية تجاه حكومتها، بمشاركة أغلبية ساحقة من الديمقراطيين ومعظم الجمهوريين دون سن 39 عاماً.
ومما يتصل بهذا الشأن، أسفرت ضغوط لجنة أيباك عن نتائج عكسية، حيث خاطبها السيد في ديترويت شاكراً إنفاقها 42 مليون دولار لإسقاطه، بعدما منحته فرصة لهزيمتها مرتين عقب فوزه الصيفي على منافسته هيلي ستيفنز في الانتخابات التمهيدية.
والجدير بالذكر هنا، أن فانس أظهر سابقاً تشككاً بالتحالف وحذر تل أبيب في شهر يونيو، رافضاً إدانة تاكر كارلسون لاتهامه إسرائيل بارتكاب إبادة، مما دفع المانح كليفورد أزنس إلى اتهام فانس بمحاولة إلقاء اللوم المباشر على اليهود.
وفي المحصلة النهائية، ستنتقل الخلافات الحزبية إلى قبة الكونجرس مع مواجهة التيار اليساري لقيادات ديمقراطية تقليدية تميل للوسط، بينما يؤكد صعود شخصيات مثل السيد امتلاك الوجوه التقدمية الجديدة قوة تأثير متصاعدة تدفع باتجاه مراجعة السياسات القائمة.

