لم تكن خسارة الحزب الجمهوري أغلبيته في مجلسي الكونجرس الأمريكي مجرد هزيمة انتخابية عابرة، أو نتيجة مباشرة لغضب الناخبين من ارتفاع تكاليف المعيشة والحرب على إيران، وإنما كشفت أيضا عن تحولات أعمق داخل المجتمع الأمريكي، ارتبط جانب كبير منها بتداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، وما أحدثته من تغيير في نظرة قطاعات واسعة من الأمريكيين إلى إسرائيل والسياسة الخارجية لواشنطن في الشرق الأوسط.

 

ففي انتخابات التجديد النصفي التي جرت في 3 نوفمبر 2026، تمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية من الجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ، محققين اختراقات انتخابية في ولايات كانت تعد معاقل تقليدية للحزب الجمهوري، في تطور حمل رسائل سياسية تتجاوز حدود المنافسة الحزبية، وتطرح تساؤلات بشأن مستقبل الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، وحدود نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لها داخل المؤسسات الأمريكية.

 

ورغم تعدد العوامل التي أسهمت في تراجع شعبية الجمهوريين، وبينها التضخم وارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فإن تداعيات طوفان الأقصى وما تلاها من حرب مدمرة على غزة بدت حاضرة بقوة في النقاش السياسي والانتخابي الأمريكي، خاصة مع تنامي الأصوات الرافضة لاستمرار تمويل الحروب الخارجية وتوجيه أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لدعم إسرائيل.

 

طوفان الأقصى وتغير المزاج الأمريكي


أحدثت عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 تحولا واسعا في النقاش العام داخل الولايات المتحدة بشأن القضية الفلسطينية، بعدما أعادت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة القضية إلى صدارة الاهتمام العالمي، ودفعت قطاعات من المجتمع الأمريكي، خصوصا الشباب والطلاب، إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب.

 

ولم يقتصر هذا التحول على المظاهرات والاحتجاجات الجامعية والأنشطة الشعبية المناهضة للحرب، بل امتد تدريجيا إلى المجال السياسي، مع صعود شخصيات عربية ومسلمة وأصوات ديمقراطية تبنت مواقف أكثر انتقادا للسياسات الإسرائيلية، وطالبت بوقف الدعم العسكري الأمريكي غير المشروط.

 

وكان من أبرز مظاهر هذا التحول وصول شخصيات ذات أصول عربية ومسلمة إلى مواقع سياسية مؤثرة، من بينها عبدالرحمن السيد، المعروف باسم «عبدول»، الذي حقق فوزا انتخابيا في ولاية ميشيجان، مستفيدا من خطاب ركز على القضايا الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب مواقفه الرافضة لتوجيه أموال الأمريكيين لدعم إسرائيل.

 

كما استثمر عدد من المرشحين الديمقراطيين تصاعد الاستياء الشعبي من السياسات الإسرائيلية، وقدموا أنفسهم باعتبارهم أكثر قربا من مطالب الناخبين الداعية إلى توجيه الموارد الأمريكية نحو الرعاية الصحية وتحسين الأوضاع المعيشية، بدلا من استمرار الإنفاق على الحروب الخارجية.

 

السنوار وتغيير شكل الشرق الأوسط


وتعيد هذه التحولات إلى الواجهة تصريحات سابقة لرئيس حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في قطاع غزة آنذاك، الشهيد يحيى السنوار، الذي قال قبل طوفان الأقصى في عام 2021: «سنغيّر شكل الشرق الأوسط في المواجهة المقبلة».

 

وبعد مرور عامين على إطلاق هذه التصريحات، تبدو المنطقة أمام تحولات سياسية واستراتيجية كبيرة، لم تقتصر آثارها على المواجهة العسكرية بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، وإنما امتدت إلى العلاقات الدولية ومواقف الرأي العام في الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

 

فقد تحولت الحرب على غزة إلى قضية داخلية أمريكية مؤثرة، وفرضت نفسها على النقاشات الانتخابية داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بعدما أصبح الدعم الأمريكي لإسرائيل موضع انتقاد متزايد، حتى داخل أوساط كانت تقليديا أكثر تأييدا للعلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب.

 

ولم يعد الاعتراض على السياسات الإسرائيلية مقتصرا على الجاليات العربية والمسلمة أو الناشطين المؤيدين للفلسطينيين، بل اتسع ليشمل شرائح من الشباب والناخبين المستقلين، الذين باتوا ينظرون إلى المساعدات العسكرية الأمريكية باعتبارها أموالا كان من الممكن توجيهها لمعالجة مشكلات داخلية.

 

تآكل نفوذ اللوبي الإسرائيلي


وفي قراءة لأبعاد نتائج الانتخابات الأمريكية، يرى عدد من المراقبين أن التغيرات التي شهدها المجتمع الأمريكي بعد طوفان الأقصى ساهمت في إضعاف قدرة اللوبي الإسرائيلي على احتكار التأثير في النقاش السياسي المتعلق بالشرق الأوسط.

 

وفي هذا السياق، تبرز أطروحة كتاب «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية» للمفكرين الأمريكيين جون ميرشايمر وستيفن والت، الذي أثار جدلا واسعا عند نشره في صورة مقال ثم كتاب عام 2007.

 

وتقوم الأطروحة الأساسية للكتاب على أن السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط لا يمكن تفسيرها فقط من خلال المصالح الاستراتيجية والتوازنات الدولية، بل تلعب العوامل الداخلية، وفي مقدمتها جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، دورا مؤثرا في تشكيل القرارات الأمريكية.

 

ويشير هذا التصور إلى امتلاك اللوبي الإسرائيلي أدوات نفوذ متعددة، تشمل التمويل والعلاقات السياسية والحضور الإعلامي والتأثير داخل الكونجرس والمؤسسات الحكومية، فضلا عن قدرته على الوصول إلى دوائر صنع القرار في البيت الأبيض.

 

ومن هذا المنطلق، يرى أصحاب هذا الطرح أن أي تغيير جوهري في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة لا يمكن أن يتحقق فقط من خلال الضغوط الخارجية أو التحركات الدبلوماسية العربية، وإنما يتطلب تغيرا في مواقف الناخبين الأمريكيين أنفسهم، بما ينعكس على تركيبة المؤسسات المنتخبة.

 

وتكتسب هذه الفرضية أهمية خاصة في ضوء نتائج انتخابات 2026، التي كشفت عن صعود أصوات سياسية تنتقد الدعم الأمريكي لإسرائيل، وتطالب بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق والسياسة الخارجية.

 

تامر شيرين يربط الهزيمة بطوفان الأقصى


وتفاعلا مع نتائج الانتخابات الأمريكية، ربط الناشط تامر شيرين شوقي، المعروف بكتاباته المعارضة لعبدالفتاح السيسي، بين التحولات السياسية داخل الولايات المتحدة وأحداث 7 أكتوبر، معتبرا أن طوفان الأقصى أحدث تغييرا تجاوز حدود المواجهة في قطاع غزة ووصل تأثيره إلى المشهد السياسي العالمي.

 

وكتب شيرين عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، معلقا على نتائج الانتخابات: «تعليقي على نتائج الانتخابات الأمريكية؟؟ عاشت ٧ اكتوبر و رجال ٧ اكتوبر و قادة ٧ اكتوبر و شعب ٧ اكتوبر.. و لا عزاء لأنصاف المثقفين وأشباه الرجال و عبيد الذل.. العالم يتغير... ٧ اكتوبر غيرت العالم.. الثمن كان رهيبا.. و لكن على قدر اهل العزم تأتي العزائم  الحمد لله رب العالمين .. عشتم و عاشت فلسطين»


 

الحرب على إيران عمقت الغضب


وبالتوازي مع تداعيات حرب غزة، جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتضيف عاملا جديدا إلى حالة الاستياء الشعبي من توجهات إدارة دونالد ترامب، خاصة بعدما انعكست المواجهة على أسواق الطاقة وأسعار الوقود وتكاليف المعيشة.

 

وأدى إغلاق مضيق هرمز إلى اضطرابات كبيرة في حركة التجارة والطاقة، وارتفاع أسعار الوقود، وهو ما وضع الناخب الأمريكي أمام تداعيات مباشرة لقرار الانخراط العسكري في صراع إقليمي واسع.

 

كما اعتبر قطاع من أنصار حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددا» أن الحرب تتناقض مع تعهدات ترامب الانتخابية بعدم الدخول في حروب خارجية جديدة، وتبني سياسة تضع المصالح الأمريكية الداخلية في المقام الأول.

 

وبحسب استطلاعات الرأي التي أوردتها هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، رأى 63% من المشاركين أن قرار شن عمل عسكري ضد إيران كان خاطئا، فيما اعتبر 74% أن الصراع كان عاملا رئيسيا أو حاسما في اختيارهم الانتخابي.

 

لكن هذه العوامل، رغم أهميتها، لا تلغي تأثير القضية الفلسطينية في إعادة تشكيل مواقف قطاعات من الناخبين، خصوصا مع تزايد الاعتراض على توجيه الموارد الأمريكية لدعم إسرائيل بالتزامن مع الأزمات الاقتصادية الداخلية.

 

من الشارع إلى صناديق الاقتراع


وتكشف نتائج انتخابات 2026 عن أهمية انتقال الاحتجاجات الشعبية من الشوارع والجامعات إلى صناديق الاقتراع، بعدما أصبح الموقف من إسرائيل والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط جزءا من حسابات الناخبين، وليس مجرد قضية خارجية بعيدة عن اهتماماتهم اليومية.

 

كما أظهرت الانتخابات أن صعود الشخصيات العربية والمسلمة داخل المؤسسات الأمريكية لم يعد مرتبطا فقط بوجود جاليات مهاجرة أو جماعات ضغط منظمة، وإنما بات يعكس تحولا أوسع في مواقف قطاعات من المجتمع الأمريكي، خاصة الأجيال الشابة.