دشنت حكومة السيسي تداول أسهم بنك القاهرة في البورصة بعد 18 عامًا من التعثر و6 أعوام من التأجيل، عبر بيع 45% من رأسماله مقابل 36.37 مليار جنيه، في طرح عام وخاص يرفع علامات استفهام حول جدوى التفريط في حصة ضخمة من صرح مصرفي حكومي.
​
​
سجلت القيمة السوقية للبنك نحو 80.8 مليار جنيه بما يعادل 1.46 مليار دولار بسعر 5.30 جنيه للسهم الواحد، وسط احتفاء رسمي يقابله قلق برلماني واقتصادي متصاعد بشأن تدني التقييم ومصير الحصيلة المالية التي استقرت كاملة في خزائن بنك مصر دون دعم رأسمال البنك ذاته.
​


​
تراجع التقييم الدولاري يثير شكوك الصفقة
​
​
بداية من المقارنات الحسابية، تظهر الأرقام أن القيمة الدولارية الحالية للبنك تقل بنحو 28% عن عرض البنك الأهلي اليوناني عام 2008، فضلًا عن هبوطها بنحو 39% مقارنة بتقديرات لجنة التقييم الحكومية المستقلة في ذلك الوقت، ما يعكس انخفاضًا حادًا في القيمة الحقيقية للأصل المبيع.
​
​
وبالنظر إلى سجلات المفاوضات السابقة، فقد رفضت السلطات عرض أثينا البالغ 2.025 مليار دولار للاستحواذ على 67% بدعوى عدم بلوغ التقييم الحكومي البالغ 2.4 مليار دولار، متجاهلة عروضًا أخرى شملت 1.3 مليار دولار من بنك المشرق و1.2 مليار دولار من تحالف البنك العربي الوطني ومجموعته.
​
​
واستنادًا إلى التقارير المالية المتخصصة، أوضحت مذكرة بحثية لشركة بلتون تراجع مضاعف القيمة الدفترية لبنك القاهرة إلى 1.24 مرة فقط في الطرح الراهن، مقارنة بنحو 4.1 مرة في العرض اليوناني السابق، مشيرة إلى الفارق الشاسع في تسعير حقوق الملكية ومخاطر بيع الأصول بأسعار منخفضة للمستثمرين.
​
​
وفي ضوء هذا التباين، يوضح الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن احتساب التقييمات وفق أسعار الصرف المتدهورة يهدر جزءًا جوهريًا من الثروة القومية، لافتًا إلى أن بيع حصص أقلية دون علاوة سيطرة يعرض المال العام للخسارة ويقلص عوائد الدولة الدولارية في ظل الأزمات التمويلية المتلاحقة التي تشهدها البلاد.
​
​
واستكمالاً لرحلة التخارج المتعثرة، توقفت خطة عام 2020 لجمع 500 مليون دولار لبيع ما بين 20% و45% جراء جائحة كورونا، ليتكرر التأجيل في عام 2022 بفعل الحرب الروسية الأوكرانية، وصولاً إلى تعثر المفاوضات مع بنك الإمارات دبي الوطني في مارس 2025 لعدم تحقيق ملياري دولار.
​
​
وبسبب تلك العثرات المتتالية، واجهت الحكومة ضغوطًا نيابية حادة تمثلت في بيان برلماني عاجل طالب بوقف التفاوض مع الجانب الإماراتي، مستنكرًا محاولات التنازل عن مقدرات بنك وطني رابح، ومحذرًا من استنزاف القطاع المصرفي تحت وطأة الحاجة إلى توفير السيولة الأجنبية السريعة لسداد أقساط الديون الخارجية.
​
​


أرباح قياسية تحاصر قرارات التخارج
​
​
وبالانتقال إلى المؤشرات التشغيلية، يفرض التساؤل نفسه حول مبررات بيع حصة في مؤسسة تنمو أرباحها باطراد؛ إذ سجل بنك القاهرة صافي ربح بلغ 16.1 مليار جنيه بنهاية 2025 بمعدل نمو سنوي وصل إلى 30%، فضلاً عن تسجيل معدل كفاية رأس مال متين استقر عند 22.06%.
​
​
وتأكيدًا على المركز المالي، قفز إجمالي أصول البنك ليبلغ 533 مليار جنيه، بالتوازي مع اتساع محفظة القروض إلى 258 مليار جنيه، ووصول الودائع إلى نحو 401 مليار جنيه، مما يبرز صلابة كيان مصرفي يدر تدفقات نقدية مستمرة، تجعل التفريط فيه محل رفض واسع بين الأوساط الاقتصادية والبرلمانية.
​
​
ومن زاوية التقييم الاقتصادي، يشير الخبير الاقتصادي الدكتور محمد فؤاد إلى أن تحقيق الأرباح لا يمنع التخارج نظريًا، مشددًا على أن المعيار الجوهري يكمن في مقارنة العائد المتوقع من حصيلة البيع بالعوائد الدورية لاحتفاظ الدولة بالأصل، ومدى امتلاك الحكومة استراتيجية شاملة تحدد بدقة مبررات الصفقة وتوقيتها الاقتصادي الملائم.
​
​
وبموازاة تلك الاشتراطات الفنية، ينبه فؤاد إلى أن وثيقة سياسة ملكية الدولة تستهدف توظيف عوائد البيع لدعم الاستدامة المالية وخفض الديون العامة وتمويل الاستثمارات الإنتاجية، معتبرًا أن غياب مؤشرات قياس واضحة وملموسة حول أثر تلك الصفقات يضعف الثقة العامة في الإجراءات الحكومية الخاصة بإدارة الأصول التابعة للدولة.
​
​
وبناءً على الواقع الفعلي، تفتقر السياسات الرسمية إلى تفاصيل دقيقة حول مصير 5.86 مليار دولار تم تحصيلها عبر تنفيذ 19 صفقة تخارج بين عامي 2022 و2025، مما يعزز مخاوف المراقبين من استغلال أصول مصرفية عالية الربحية لسد فجوات العجز المالي وتلبية التزامات قصيرة الأجل بدلاً من تنمية الإنتاج.
​
​


كواليس الهيكلة ومصير أموال الطرح
​
​
وبالتدقيق في بنية العملية، يتضح أن الطرح جرى عبر بيع حصة قائمة مملوكة لبنك مصر دون إقرار أي زيادة في رأس المال، مما يعني حرمان بنك القاهرة من استقبال سيولة مباشرة تسهم في توسيع قاعدته التمويلية أو رفع قدرته الائتمانية لدعم المشروعات الاقتصادية داخل السوق المحلية خلال المرحلة القادمة.

ونتيجة لهذه الصيغة المعتمدة، آلت حصيلة البيع البالغة 36.37 مليار جنيه بأكملها إلى المالك البائع وهو بنك مصر، الذي واصل احتفاظه بحصة الأغلبية البالغة 55%، مما يكرس بقاء الإدارة الفعلية تحت السيطرة الحكومية دون إحداث نقلة هيكلية حقيقية في نمط إدارة المؤسسة أو تحريرها من الهيمنة البيروقراطية الرسمية.
​
​
وحول هذه الآلية التنفيذية، يرى الخبير المصرفي الدكتور مدحت نافع أن تحويل العوائد لبنك حكومي آخر يعزز تدوير السيولة داخل الجهاز المصرفي العام دون ضخ دماء جديدة في شرايين الاقتصاد الحقيقي، موضحًا أن التخارج الناجح يتطلب توجيه الأموال لتأسيس كيانات إنتاجية جديدة ترفع الناتج المحلي الإجمالي وتخفف التضخم المستورد.
​
​
ورغم هذا الجدل المتصاعد، شهدت الشريحة العامة للطرح إقبالاً لافتًا بتغطية تجاوزت 27 مرة بمشاركة مؤسسات دولية وصناديق أجنبية، غير أن أوساط المعارضة ترى أن التكالب على الشراء يعود أساسًا إلى رخص التقييم السعري للسهم واقتناص المستثمرين لأصل مصرفي واعد بأقل من قيمته السوقية العادلة المتعارف عليها.
​
​
وعلى الصعيد الرقابي، تجددت الانتقادات النيابية الموجهة للحكومة لعدم إفصاحها عن المعايير الحاكمة لتسعير الأصول السيادية، في وقت يؤكد فيه نواب برلمانيون أن التعجيل بالطروحات دون ضمانات تنموية حقيقية يمثل تفريطًا في مصادر الدخل القومي الثابتة بهدف الوفاء بمتطلبات الدائنين الدوليين على حساب الاقتصاد المصري.
​
​
وفي المحصلة النهائية، يظل الطرح الأكبر في تاريخ البورصة المصرية اختبارًا مصيريًا لسياسات الخصخصة؛ إذ تظل الشكوك قائمة حول قدرة الدولة على استثمار الحصيلة بصورة مستدامة، وسط تحذيرات اقتصادية متواصلة من خطورة استنزاف المؤسسات المصرفية الناجحة لسد الالتزامات المالية العاجلة بدلاً من تحقيق التنمية الشاملة.