خالد بركات

صحافي ومنتج تلفزيوني ومحلل اقتصادي مصري مقيم في الولايات المتحدة

 

صباح الخميس، كانت منصة تروث سوشال تعمل كالمعتاد. التطبيق نفسه، والمستخدمون أنفسهم، والمنشورات نفسها.

 

ومع ذلك، هبط سهم الشركة المالكة لها إلى أدنى مستوى في تاريخه.

 

لم يتعطل شيء في الشركة. ما تغير شيء واحد: خسر حزب الرئيس الكونغرس.

 

فلماذا يسقط سهم شركة لأن حزبا خسر انتخابات؟

 

قاعدة قديمة: المال يحب السلطة. فالسلطة تفتح الأبواب، وتمنح التراخيص، وتغير القوانين.

 

والسلطة تحب المال. فالحملات الانتخابية مكلفة، والنفوذ يحتاج إلى من يموله.

 

هذه ليست معلومة جديدة. نعرفها جميعا، ونراها في كل مكان تقريبا.

 

لكن الدول الناجحة تعلمت درسا مهما: يجب أن يبقى بين الاثنين جدار. قد يكون الجدار رقيقا، وقد تظهر فيه ثقوب، لكنه موجود

 

 

الجدار الأميركي

 

ظلت أميركا لعقود تفتخر بهذا الجدار. لم تكن بلا عيوب. ففيها جماعات ضغط تنفق المليارات للتأثير على المشرعين، وفيها تبرعات انتخابية ضخمة تشتري الأصوات والوقت والاهتمام.

 

لكن كان العرف السائد واضحا. الرئيس لا يدير تجارة شخصية من مكتبه. وإذا كانت لديه أعمال، يبتعد عنها أو يضعها في يد مستقلة.

 

في ولاية ترامب الثانية، لم يعد الجدار رقيقا فقط. سقط علنا، وأمام الكاميرات.

 

قبل ثلاثة أيام من تنصيبه في يناير 2025، أطلق ترامب عملة رقمية تحمل اسمه. ثم توسعت أعمال العائلة في عالم العملات المشفرة بسرعة لافتة. منصة لأبنائه، وعملة مستقرة مرتبطة بالدولار، ومستثمرون أجانب يضخون مئات الملايين.

 

والحصيلة؟ جنت العائلة ما لا يقل عن 2.3 مليار دولار من العملات المشفرة منذ بداية الولاية، بحسب تقديرات لوكالة رويترز. وأفصح الرئيس نفسه عن دخل يتجاوز 1.4 مليار دولار من هذا القطاع في عام واحد.

 

وفي الوقت نفسه، كان الرئيس يتخذ قرارات تخص القطاع ذاته، من بينها العفو عن مؤسس منصة بينانس، المنصة التي استخدمت عملة العائلة المستقرة في صفقة استثمار بقيمة ملياري دولار.

 

ترفض الإدارة اتهامات الفساد، وتصف الحديث عن تضارب المصالح بأنه حملة سياسية. وقد لا يخالف شيء من ذلك القانون فعلا. لكن السؤال ليس هل هو قانوني، بل هل هو طبيعي.

 

 

السوق يقول كلمته

 

الإجابة جاءت من مكان لا يهتم بالسياسة: السوق.

 

فبعد الانتخابات مباشرة، هبطت كل الأصول التي تحمل اسم ترامب. السهم، والعملة الساخرة، وعملة ميلانيا، ورمز منصة الأبناء.

 

أما بيتكوين، العملة التي لا يملكها أحد ولا يحميها أحد، فتذبذب ثم عاد قريبا من مستواه.

 

الرسالة واضحة. جزء من قيمة أصول ترامب لم يكن في المنتج، بل في صاحبه. كان المستثمرون يدفعون سعرا إضافيا مقابل القرب من الرئيس.

 

يمكن أن نسمي ذلك "علاوة السلطة".

 

يذكر كثيرون في مصر زمنا كان فيه "الكارت" يساوي الكثير.

 

بطاقة صغيرة تحمل اسم مسؤول كبير يكفي أن تخرجها من جيبك وتعرضها على موظف في مصلحة حكومية، حتى تتغير المعاملة. ينتهي الطابور، وتختفي الأوراق الناقصة، ويقضى المشوار في دقائق. بل كان مجرد حمل الكارت يمنح صاحبه شيئا من الفخر أمام الآخرين.

 

لم تكن للبطاقة نفسها قيمة. ورقة مطبوعة لا يتجاوز ثمنها بضعة قروش. القيمة كلها كانت في الاسم المطبوع عليها، وفي نفوذ صاحبه.

 

ويوم يغادر المسؤول منصبه، يعود الكارت إلى حقيقته: مجرد ورقة.

 

هذا بالضبط ما حدث هذا الأسبوع، لكن بالمليارات.

 

 

ليس جديدا على العالم

 

هذه القصة عرفتها دول كثيرة قبل أميركا. في إندونيسيا التسعينيات، كانت أسهم الشركات المرتبطة بعائلة الرئيس سوهارتو تهبط مع كل شائعة عن مرضه، هكذا أثبتت دراسة شهيرة للاقتصادي ريموند فيسمان، أي إن السوق كان يسعر صحة رجل واحد.

 

وفي الأرجنتين، روج الرئيس خافيير ميلي في فبراير 2025 لعملة رقمية اسمها "ليبرا". قفز سعرها في دقائق، ثم انهار بأكثر من 90% في ساعات. وخسر آلاف الصغار أموالهم لأنهم صدقوا الرئيس.

 

الجديد هذه المرة ليس الظاهرة نفسها، بل مكانها. فهي تحدث في أكبر اقتصاد في العالم، وفي الدولة التي طالما قدمت نفسها نموذجا للمؤسسات.

 

ماذا يعني هذا لنا؟ كل يوم تصلنا دعوات للاستثمار في عملة تحمل اسم شخصية مشهورة، أو في شركة يروج أصحابها أنها "قريبة من الكبار".

قبل أن تشتري، اسأل نفسك ثلاثة أسئلة:

 

ماذا تبيع هذه الشركة بالضبط؟ لو اختفى الاسم الكبير غدا، كم يتبقى من قيمتها؟

 

ومن اشترى قبلي؟ وبأي سعر؟

 

إذا لم تجد إجابة واضحة، فأنت لا تستثمر في مشروع. أنت تراهن على شخص.