تواصل سحابة الليل الخانقة تمددها الجغرافي انطلاقاً من بؤرة العكرشة الصناعية بمركز الخانكة، عابرة حدود أبوزعبل لتضرب أحياء مدينة العبور بكثافة، في ظل عجز رقابي فادح يعرض آلاف الأسر المهاجرة من زحام العاصمة لمخاطر صحية واقتصادية متفاقمة تعصف بقيمة استثماراتهم العقارية الحيوية في مدن شرق القاهرة.
وتتفاقم الأزمة البيئية بفعل إصرار مئات المنشآت والورش غير المرخصة على حرق الإطارات والمخلفات وتدوير مخلفات الدواجن بعد منتصف الليل، مما يحول هواء المجمعات السكنية إلى سموم كيميائية مستمرة، تتزامن مع تباطؤ الأجهزة التنفيذية في تطبيق مخططات التطوير الصناعي المعلنة منذ سنوات طويلة في محافظة القليوبية.
مصانع العكرشة تشعل ليل العبور
إذ تباغت الأدخنة الكثيفة والروائح العضوية النفاذة قاطني مدينة العبور خلال الساعات المتأخرة، متسللة إلى غرف نومهم عبر غيوم ضبابية داكنة تحجب الرؤية الأفقية، معلنة استباحة سماء المدينة السكنية من قبل مافيات التدوير العشوائي، وسط سخط شعبي متصاعد يطالب بتدخل فوري لوقف هذا الإرهاب البيئي اليومي.
وتشكل منطقة العكرشة الصناعية بؤرة التلوث الأساسية باحتضانها مئات المصانع غير المقننة، حيث تتصدر ورش فرم وتدوير الريش ومخلفات المجازر قائمة المخالفين لتحويلها بقايا الطيور إلى مركزات أعلاف، مطلقة غازات عضوية سامة يتعذر تحملها، في ظل غياب شبه كامل لأبسط اشتراطات السلامة والبيئة المعمول بها قانونياً.
وعلاوة على ذلك، تلجأ المسابك العشوائية ومحارق تدوير البلاستيك المخالفة بالمنطقة إلى حرق الإطارات المطاطية المستعملة كوقود رخيص الثمن لتقليص نفقات التشغيل، متجاهلة انبعاث مركبات الديوكسين القاتلة والجسيمات العالقة الدقيقة، التي تنتقل بفعل التيارات الهوائية وسكون الرياح صوب التجمعات السكنية المأهولة في الخانكة وأبوزعبل وحتى العبور.
وبحسب شهادات الأهالي، تتعمد تلك الكيانات غير المرخصة إشعال محارقها بكامل طاقتها التشغيلية بعد منتصف الليل وحتى ساعات الصباح الأولى، مستغلة نوم الأجهزة التفتيشية وضعف الرقابة الحكومية لتهريب إنتاجها وتجنب العقوبات، متسببة في خنق مئات الآلاف من المواطنين خلف أبواب ونوافذ منازلهم المغلقة بإحكام.
ويؤكد المستشار الأسبق لوزيرة البيئة المصرية المهندس حسام محرم، أن الانبعاثات الكربونية الناجمة عن حرق المواد البوليمرية ومخلفات المجازر دون فلاتر صناعية تعد جريمة بيئية جسيمة، معتبراً أن غياب الرقابة اللحظية يشجع المنشآت العشوائية على استغلال فترات السكون الجوي لنفث سمومها، مما يحول التجمعات العمرانية المجاورة لغرف اختناق.
أزمة تنفسية تحاصر أطفال القليوبية
وعلى الصعيد الصحي المعاش، يعيش سكان العبور والخانكة معاناة يومية قاسية جراء تسرب تلك السموم إلى منازلهم رغم إحكام إغلاق المنافذ واستعمال معطرات الجو بكثافة، لافتين إلى أن الروائح الكيميائية الكريهة باتت تخترق الجدران وتفسد حقهم الدستوري في بيئة صحية آمنة، محولة حياتهم الأسرية إلى كابوس ليلي متواصل.
وتشهد مستشفيات محافظة القليوبية والعيادات الخاصة طفرة غير مسبوقة في أعداد المراجعين، خاصة من فئتي الأطفال وكبار السن، إثر إصابتهم بنوبات ربو شعبي حادة وانسداد رئوي مفاجئ، بالتزامن مع تكرار نوبات الاختناق الليلي، مسجلة ضغطاً هائلاً على أقسام الاستقبال والطوارئ ومراكز تقديم الإسعافات التنفسية العاجلة.
وفي السياق الطبي ذاته، يرصد الأطباء في المراكز الصحية انتشاراً مقلقاً لالتهابات العيون الشديدة واحتقان الجيوب الأنفية المزمن بين تلاميذ المدارس، مؤكدين أن الهواء المشبع بغازات الاحتراق غير الكامل يضعف الجهاز المناعي بصورة متسارعة، ويضاعف وتيرة التردد على الصيدليات لشراء البخاخات الموسعة للشعب الهوائية ومضادات التحسس المكلفة.
وبالإضافة إلى المضاعفات الآنية، يعبر أهالي المنطقة عن ذعرهم البالغ من التداعيات المسرطنة طويلة المدى المترتبة على استنشاق المركبات الهيدروكربونية المحترقة، مشددين على أن الهروب من التلوث التاريخي للقاهرة الكبرى لم يحقق حلمهم في العيش الآمن، بل وضع أبناءهم في مواجهة مباشرة مع سموم كيميائية شديدة الفتك.
وتتزامن هذه الكارثة الصحية مع تعطل تشغيل بنك الدم التابع لجمعية الهلال الأحمر بالقليوبية إثر خلافات إدارية بين إدارة العلاج الحر والمحافظة، الأمر الذي يفاقم عجز المنظومة الطبية الإقليمية عن مواكبة متطلبات الطوارئ، تاركاً الأهالي أمام أعباء استشفائية متعاظمة تلتهم مواردهم المالية في ظل أزمة معيشية واقتصادية خانقة.
ويوضح أستاذ الصدر والحساسية بكلية طب جامعة الأزهر الدكتور طه عبد الحميد، أن الغازات المنبعثة من فرم الريش وحرق الإطارات تحتوي على جسيمات متناهية الصغر تخترق الحويصلات الهوائية لتصل إلى مجرى الدم مباشرة، محذراً من أن استمرار التعرض اليومي يرفع معدلات التليف الرئوي والأورام الخبيثة بصورة بالغة الخطورة.
مهلة برلمانية تواجه عجز الحكومة
وأمام هذا التدهور البيئي، انتقلت تداعيات الأزمة إلى أروقة مجلس النواب عبر طلبات إحاطة عاجلة تقدم بها نواب محافظة القليوبية لمساءلة وزيري البيئة والتنمية المحلية، متهمين الجهاز التنفيذي بالتقاعس المزمن والتستر على المخالفات التي حولت حياة السكان إلى جحيم، دون وضع حلول جذرية تنهي المعاناة المستمرة منذ عقود.
وفرضت الضغوط البرلمانية المتصاعدة مهلة حاسمة قدرها 30 يوماً أمام الأجهزة الحكومية المعنية، لإلزامها بإجراء حصر دقيق وشامل لكافة المنشآت والورش العشوائية بالعكرشة، وتقديم خطة زمنية واضحة للتعامل مع هذا الملف، لإنهاء حالة التخبط الإداري وتحديد المسؤوليات القانونية المترتبة على استمرار تلك التعديات البيئية الجسيمة بحق المواطنين.
وفي محاولة لامتصاص الغضب، نفذت وزارة التنمية المحلية ووزارة البيئة بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية بالقليوبية حملات مداهمة مفاجئة، تمخضت عن إغلاق وتشميع عدد من مصانع تدوير الريش ومخلفات الذبح والمخازن غير القانونية، غير أن الأهالي اعتبروا هذه الإجراءات مجرد مسكنات دعائية مؤقتة تعود بعدها المصانع للعمل بمجرد مغادرة الحملات.
ويطالب ممثلو المجتمع المدني باتخاذ قرارات سيادية نافذة تقضي بالترحيل النهائي لهذه الصناعات الملوثة خارج الأحوزة العمرانية والسكنية، محذرين من استمرار سياسة التباطؤ التي ينتهجها نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في حسم ملف العشوائيات الصناعية، ومشددين على ضرورة وضع جدول زمني ملزم لتحويل العكرشة إلى منطقة خضراء مستدامة.
ويرى مراقبون أن مشروع التطوير المعلن للعكرشة يواجه تعقيدات تمويلية وإدارية تعرقل تحويله إلى واقع ملموس، في ظل غياب الرؤية الشاملة لإعادة التوطين الصناعي، الأمر الذي يهدد استقرار آلاف الأسر في العبور ويفقد المشروعات العمرانية الجديدة جاذبيتها الاستثمارية، نتيجة العجز عن توفير بيئة نقية تحمي السكان من الأوبئة.
ويشير أستاذ التخطيط العمراني الدكتور سيف الدين فرج، إلى أن استمرار البؤر الصناعية العشوائية الملاصقة للتجمعات السكنية يمثل فشلاً تخطيطياً فادحاً، مؤكداً أن الحل يفرض النقل الفوري للمسابك وورش التدوير خارج الحيز العمراني، لحماية الثروة العقارية وحفظ أرواح المواطنين من التدمير الصحي الممنهج.

