تتصاعد موجات غضب واسعة بين مئات المواطنين من ملاك الوحدات السكنية داخل كمبوند المقصد بالحي السكني الثالث R3 في العاصمة الإدارية الجديدة، احتجاجاً على تردي جودة التنفيذ وتراكم الأزمات الإنشائية والخدمية الحادة، على الرغم من سدادهم مليارات الجنيهات لشركة سيتي إيدج العقارية مقابل وعود الحصول على مشروعات سكنية فاخرة.
وتزامنت هذه الاحتجاجات المتصاعدة مع صدمة حقيقية لدى الأهالي بعد استلامهم مساكن شابتها تصدعات خطيرة وتلفيات جسيمة في التشطيبات الموصوفة بتعاقداتهم بأنها سوبر لوكس، مما دفع الأزمة إلى أروقة البرلمان لمواجهة حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بمسؤوليتها المباشرة عن إهدار المال العام والخاص عبر شركات عقارية تملكها الدولة.
عيوب إنشائية تهدد سلامة المباني
وفي هذا السياق، وثق الحاجزون في عمارات الممشى بالمجاورة 3 شروخاً وتصدعات غائرة بالجدران وانهيارات في طبقات الدهان نتيجة تجمع مياه الصرف الداخلي، لافتين إلى أن سوء العزل في دورات المياه عجل بإتلاف الديكورات المعمارية حتى قبل بدء إقامتهم الفعلية، ما حول أحلام الانتقال إلى خسائر مادية باهظة.
وعلاوة على ذلك، أفاد الأهالي بوقوع حوادث تساقط متكررة لكتل الحجر الهاشمي المثبت على الواجهات الخارجية للعمارات، مشيرين إلى أن رداءة المون اللاصقة وسوء التنفيذ أثناء مراحل البناء حولا تلك الكتل الصخرية إلى خطر يهدد أرواح المارة وقاطني الطوابق الأرضية بشكل مستمر ومباشر دون معالجة جذرية.
ومن جهة أخرى، رصدت تقارير السكان تسربات مائية كثيفة داخل جراجات المباني وتجمع برك الرطوبة حول الأعمدة الخرسانية الرئيسية، مؤكدين أن الرشح الدائم يعرض شبكات حديد التسليح للتآكل التدريجي ويضعف متانة الأساسات، وهو ما يشكل خطراً داهماً على العمر الافتراضي لتلك العقارات ومستوى سلامتها.
وبالتوازي مع تلك الانهيارات، شملت التلفيات أسقف الشقق في الأدوار العليا إثر انعدام العزل المائي للأسطح وتجمع مياه الأمطار، منوهين إلى أن إهمال مقاولي الباطن للمواصفات الفنية خلف عيوباً هيكلية باهظة الكلفة، ما يفرض أعباء صيانة طائلة على كاهل المشترين الذين استنزفتهم أقساط الحجز.
وفي السياق ذاته، يوضح استشاري الهندسة الإنشائية وسلامة المنشآت الدكتور محمد عبد العال أن تسربات الجراجات وتفكك أحجار الواجهات يمثلان خللاً فادحاً في منظومة استلام الأعمال من المقاولين، مؤكداً أن غياب الرقابة الصارمة يهدد بانهيار أجزاء تزيينية ويقلص العمر الإنشائي للمباني بصورة بالغة الخطورة.
أزمة الأمان وتجاهل الوعود التعاقدية
إضافة إلى ما تقدم، تصاعدت شكاوى قاطني الكمبوند جراء اختفاء عناصر الخصوصية الأساسية الموعودة في كراسات الشروط الرسمية، لافتين إلى بقاء المجمع السكني مفتوحاً دون سور فاصل يعزل الوحدات، مما جعله ساحة مباحة لدخول المارة والغرباء وسط حالة استياء واسعة.
ونتيجة لهذا الإهمال الشديد، اضطر السكان لجمع مساهمات وتبرعات مالية خاصة لتمويل بناء حواجز تؤمن ممتلكاتهم وعائلاتهم، مشددين على أن هذا الإجراء يعد تجريداً للشركة من واجباتها واعتداء صريحاً على بنود التعاقد التي وعدت ببيئة سكنية مسورة وآمنة بالكامل.
وعلى صعيد الخدمات العامة، أبدى الحاجزون سخطهم من تعطل المنظومة الأمنية وتأخر تشغيل كاميرات المراقبة في الممرات والمداخل، فضلاً عن غياب الإنارة الليلية عن شوارع المشروع، وهو ما يغرق الممرات في ظلام يضاعف مخاوف الأسر وقلقها اليومي المستمر.
وبناءً على هذه الفجوة، رأى المتضررون أن الوضع الراهن في كمبوند المقصد ينسف الدعاية الترويجية لعاصمة ذكية حديثة، معتبرين أن حرمانهم من البنية التحتية المكتملة يعكس تجاهلاً لحقوقهم الأساسية واستهانة صريحة بكافة التعهدات الرسمية التي رافقت عمليات التسويق والبيع.
ومن جانبه، يرى خبير التخطيط العمراني وإدارة المشاريع الدكتور سيف الدين فرج أن تسليم التجمعات السكنية قبل اكتمال الأسوار والمنظومات الأمنية يخل بالمفهوم الهندسي للمجمعات المغلقة، مؤكداً أن تحميل المشترين أعباء أمنية إضافية يمثل خللاً تشغيلياً يفقد المشروعات قيمتها العقارية والاستثمارية.
إهدار أموال الدولة والمساءلة البرلمانية
وتتويجاً لتلك التحركات الشعبية، تقدمت عضو مجلس النواب سناء السعيد بطلب إحاطة عاجل إلى رئيس الوزراء ووزير الإسكان، محذرة من وجود مخالفات جسيمة وتشطيبات رديئة تهدد سلامة السكان في كمبوند المقصد، وداعية إلى فتح تحقيق موسع حول وقائع استلام المباني المتضررة.
وفي تفاصيل المسؤولية المؤسسية، أوضحت المذكرة البرلمانية أن شركة سيتي إيدج مملوكة بالكامل لمؤسسات رسمية، حيث تستحوذ هيئة المجتمعات العمرانية على 60% من أسهمها، ويملك بنك التعمير والإسكان 38%، وتستقر نسبة 2% بيد القابضة للاستثمار.
واستناداً إلى هيكل الملكية الحكومي، شددت النائبة على أن ما جرى يمثل إهداراً فادحاً للمال العام والخاص، مطالبة بالتحقيق مع لجان الاستلام التي تساهلت مع المقاولين وتجاهلت تآكل الأساسات والعيوب الظاهرة التي وثقتها مقاطع الفيديو والصور المقدمة من الأهالي.
وعلى نحو متصل، دعت السعيد إلى إحالة الملف برمته إلى لجنة الإسكان في البرلمان لمساءلة مسؤولي الشركة المطورة، ملزمة الجهات المعنية بطرح خطة هندسية عاجلة لإصلاح عيوب الواجهات ووقف تسريبات الجراجات، تداركاً لوقوع انهيارات تهدد الأرواح.
وفي المقابل، تبرز تلك الأزمة حجم التراجع بين الوعود البراقة والواقع الإنشائي المتردي في الحي السكني 3، لافتة الأنظار إلى إخفاق الشركات التابعة لقطاع الإسكان في تقديم نماذج عمرانية تليق بحجم الأموال الطائلة التي استنزفتها مشروعات العاصمة الإدارية منذ إطلاقها.
واتصالاً بالجانب المالي والرقابي، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس أن تعثر مشروعات تملكها الدولة بنسبة 100% يضرب الثقة في الجدوى الاستثمارية لقطاع العقارات، موضحاً أن تحمل المال العام تكاليف أخطاء المقاولين يعمق الأزمات المالية ويهدر موارد الدولة دون عائد تنموي.
وإزاء هذا الاحتقان الشعبي، يترقب ملاك الوحدات تحركاً تنفيذياً ينقذ مدخراتهم ويوقف نزيف الخسائر في ممتلكاتهم العقارية، مؤكدين أن صمت الجهات المسؤولة عن محاسبة المتسببين يكرس نهج الإفلات من العقاب ويقوض أوهام المشروعات النموذجية التي يروج لها النظام.

