تلقت المنظومة الاقتصادية في مصر ضربة جديدة مع تراجع صافي الأصول الأجنبية بنسبة 13% خلال شهر سبتمبر الماضي، لتهبط إلى 27.01 مليار دولار مقارنة بنحو 31.13 مليار دولار في أغسطس، مسجلة خسارة شهرية فادحة تتجاوز 4 مليارات دولار، لتعكس استمرار تآكل موارد النقد الأجنبي وعجز المعالجات الرسمية.
ويأتي هذا الانحدار الحاد وفق بيانات البنك المركزي المصري الرسمية، ليضع ضغوطاً متزايدة على الجنيه في ظل التزامات خارجية متراكمة، متزامناً مع تصاعد وتيرة التضخم وتراجع قدرة الجهاز المصرفي على تأمين مستلزمات الإنتاج، مما يفاقم من وطأة الركود ويهدد بمزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية للمواطنين.
تآكل السيولة بالبنوك التجارية المصرية
وتُظهر البيانات التفصيلية أن الانخفاض تركز بصورة أساسية في البنوك التجارية، حيث هوى صافي أصولها الأجنبية إلى 8.18 مليار دولار خلال سبتمبر مقابل 12.42 مليار دولار في أغسطس، فاقداً أكثر من 4.24 مليار دولار في شهر واحد، مما يفضح هشاشة السيولة وصعوبة تلبية طلبات الاستيراد المعطلة.
وفي المقابل، سجل صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي المصري زيادة طفيفة لم تتجاوز 115 مليون دولار، ليرتفع إلى 18.83 مليار دولار مقارنة بنحو 18.71 مليار دولار، وهي زيادة محدودة للغاية تعكس عجزه عن تعويض النزيف الضخم الذي ضرب البنوك، مؤكدة استمرار سياسة التجميل الشكلي للأرقام.
وبدوره، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور ممدوح الولي، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام الأسبق، أن تآكل فوائض البنوك يعود إلى خروج أموال المضاربين الأجانب وسداد التزامات خدمة الدين، موضحاً أن لجوء السلطات إلى سحب العملة من البنوك لتفادي المساس باحتياطي المركزي يضع الائتمان التجاري في مأزق خانق.
من جانبها، ترى أوساط المعارضة الاقتصادية أن هذه التراجعات تعري الترويج الحكومي لنجاح التدفقات الساخنة وصفقات بيع الأصول في حل الأزمة، مشيرة إلى أن استنزاف ودائع العملات الأجنبية لدى الجهاز المصرفي يعيد شبح القيود على حركة رؤوس الأموال، ويهدد بعودة السوق الموازية للعملات بقوة خلال الفترات القادمة.
وعلاوة على ذلك، تواجه الشركات المحلية والمستوردون عقبات متجددة في فتح الاعتمادات المستندية نتيجة تجفيف السيولة في المصارف، لافتين إلى أن تأخر الإفراج الجمركي عن السلع والمواد الخام بدأ يضغط فعلياً على الأسواق، مسبباً موجة جديدة من غلاء أسعار السلع الضرورية وضرب استقرار الإنتاج الصناعي.
نزيف حاد في أصول القطاع المصرفي
وبالنظر إلى الأرقام الكلية، انخفض إجمالي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي المصري إلى 97.93 مليار دولار خلال سبتمبر الماضي مقابل 103.63 مليار دولار في أغسطس، محققاً تراجعاً قدره 5.7 مليار دولار، في انكماش عنيف يبرهن على تسارع وتيرة تسرب العملات الصعبة إلى الخارج دون قدرة على التعويض.
وتوضح المؤشرات الرسمية أن هذا التراجع تركز في أصول البنوك التجارية التي هبطت إلى 42.19 مليار دولار مقارنة بنحو 47.80 مليار دولار، بينما استقرت أصول البنك المركزي عند 55.73 مليار دولار، بما يؤكد استخدام النظام للبنوك كخط دفاع أول لامتصاص الصدمات وحماية المظهر الخارجي لاحتياطيات الدولة.
وتشير الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد والعميدة السابقة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، إلى أن استقرار أصول المركزي يقابله انهيار في أصول المصارف التجارية، موضحة أن تحويل عبء شح السيولة إلى البنوك يقوض ثقة المستثمرين ويقلص قدرة الاقتصاد على جذب تدفقات استثمارية حقيقية ومستدامة.
ويرى خبراء المعارضة السياسية أن السياسات الاقتصادية المتبعة تحت إشراف قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي قادت البلاد إلى الاعتماد الكامل على القروض ومشاريع الاستعراض عديمة الجدوى، مما تسبب في إهدار الحصيلة الدولارية وتجريد القطاع المصرفي من مصداته الوقائية، ليبقى الاقتصاد الوطني رهينة لتقلبات المضاربات الخارجية وتراكم الفوائد.
وبالتوازي مع تلك السياسات، يواصل المستثمرون المحليون التحوط من مخاطر تراجع الجنيه باللجوء إلى الأصول الذهبية والعقارات، مشيرين إلى أن نزيف الأصول المصرفية يبرهن على أن التعويم الأخير لم يحقق الأهداف المرجوة في ضبط ميزان المدفوعات، بل عمق تبعية السوق المحلية لشروط الدائنين الدوليين ومؤسسات التمويل.
وتتزامن هذه التطورات مع شلل واضح في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الإنتاجي، حيث تحجم الشركات الكبرى عن التوسع نتيجة غموض مصير العملة وصعوبة تحويل الأرباح بالدولار، مؤكدة أن الاعتماد على مبيعات الأراضي والشركات الحكومية لم يعد كافياً لوقف تدهور الحساب الجاري وإنقاذ الاحتياطي من التراجع المستمر.
تراجع الالتزامات ومأزق الديون المتراكمة
وعلى صعيد الالتزامات، انخفض إجمالي الالتزامات الأجنبية على القطاع المصرفي إلى 70.92 مليار دولار في سبتمبر مقابل 72.50 مليار دولار خلال أغسطس بتراجع بلغ 1.58 مليار دولار، وهو ما يعكس قيام الدولة بسداد جزء من ديونها العاجلة على حساب استنزاف أصولها السائلة في ظل انعدام البدائل.
ويظهر التوزيع الداخلي لهذه الالتزامات هبوط التزامات البنوك التجارية إلى 34.01 مليار دولار مقارنة بنحو 35.39 مليار دولار، وتراجع التزامات البنك المركزي إلى 36.90 مليار دولار مقابل 37.11 مليار دولار، مؤكداً استمرار الضغط لسداد فوائد القروض وأقساطها التي باتت تلتهم معظم عوائد النقد الأجنبي الشحيحة.
من جهته، يوضح الخبير الاقتصادي وائل جمال، المتخصص في الاقتصاد السياسي، أن تراجع الالتزامات لا يعكس تحسناً هيكلياً، بل ينتج عن ضغوط جدول السداد القسري للديون الخارجية، محذراً من أن استمرار سداد أعباء القروض بأصول البنوك يقلص مساحة المناورة النقدية ويدفع الحكومة نحو مزيد من التبعية للمقرضين.
وبالإضافة إلى أعباء الديون، يعاني الميزان التجاري من عجز متفاقم بسبب ضعف الصادرات وتراجع تحويلات المصريين بالخارج عن مستوياتها التاريخية، مما يجعل أية صدمة في أسعار الطاقة أو الحبوب عالمياً بمثابة تهديد مباشر لمخزون الاحتياطي الذي تم استنزاف خطوطه الأمامية في المصارف التجارية على نحو غير مسبوق.
وفي سياق متصل، تحذر القوى الوطنية والعمالية من أن تفاقم أزمة السيولة الدولارية سينعكس حتماً على أسعار السلع الاستراتيجية وتكلفة المعيشة اليومية، لافتة إلى أن السياسات التقشفية وإلغاء الدعم المفروض استجابة لمطالب صندوق النقد الدولي يفرغان الجيوب الشعبية ويدفعان ملايين المواطنين تحت خط الفقر المدقع دون حماية.
وتأكيداً على ذلك، تظل الأرقام الصادرة شاهداً على عمق المعضلة البنيوية، حيث باتت خيارات صانع القرار منحصرة في دوامة الاقتراض الجديد لسداد الالتزامات القديمة، مما يهدد الاستقرار المالي برمته ويدفع الاقتصاد نحو مخاطر التعثر الحقيقي ما لم يتم تبني سياسات إنتاجية جذرية توقف هذا التآكل المتسارع.

