أعلنت نورا السيد، زوجة المخرج المصري المحتجز عمر مرعي، بدء إضراب مفتوح عن الطعام يمتد 3 أيام احتجاجاً على تردي الرعاية الصحية واحتجازه داخل مركز تأهيل العاشر من رمضان، معتبرة أن حجب التشخيص الطبي عنه يمثل استهدافاً متعمداً لسلامته الجسدية والنفسية، وسط تصاعد القلق الحقوقي على مصيره.
ويأتي هذا التحرك الاحتجاجي عقب استمرار احتجاز مرعي على ذمة القضية رقم 3383 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا بسبب تدوينة رقمية، متزامناً مع تدهور حالته إثر ظهور ورم في يده وامتناع إدارة السجن عن إطلاعه على تقاريره، الأمر الذي يضع النظام الأمني أمام مساءلة قانونية واسعة.
تدهور صحي واحتجاج داخل السجون
وفي تفاصيل الأزمة الصحية، يعاني المخرج المحتجز من آلام مستمرة وتورم في يده دون توفير فحص تخصصي عاجل يحدد طبيعة المرض، في حين ترفض إدارة مركز تأهيل العاشر من رمضان تمكين عائلته من تسلم نتائج الفحوصات والأشعة، مكتفية بإخطار شفهي غامض حول وظائف الغدة الدرقية.
ونتيجة لهذا الغموض المتعمد، اتخذ مرعي قراراً بوقف تناول علاجه الدوائي منذ أسبوع كامل تعبيراً عن رفضه لسياسة التعتيم المفروضة على ملفه المرضي، محملاً مصلحة السجون المسؤولية الكاملة عن أي مضاعفات صحية قد تودي بحياته، خاصة مع انعدام الشفافية في التعامل مع حالته العضوية المتدهورة.
وإزاء هذا التردي الطبي المتواصل، شرعت نورا السيد في خطوة تصعيدية عبر إضراب عن الطعام يستمر 3 أيام للضغط باتجاه نقله لمستشفى مؤهل، لافتة إلى أن صمت الأجهزة الأمنية يعكس نمطاً ممنهجاً يهدف إلى كسر إرادة المعتقلين وحرمانهم من أبسط متطلبات الرعاية الصحية المنصوص عليها قانوناً.
وتأكيداً على خطورة تلك الممارسات، يوضح استشاري الطب المهني الدكتور أحمد حسين أن الامتناع عن تقديم التشخيص الكتابي للمريض واستبداله بإبلاغ شفوي يعد خرقاً فادحاً للمواثيق الطبية، مشيراً إلى أن ترك الأورام المجهولة دون فحص عاجل يفاقم الخطر ويهدد سلامة الجهاز العضلي والعصبي للمحتجزين.
وبالتوازي مع تلك النداءات الأسرية، تشير وقائع الإهمال داخل مراكز التأهيل إلى أزمة متجذرة تتجاهل المعايير الإنسانية الدنيا، الأمر الذي دفع زوجة المخرج إلى توجيه إنذار رسمي للجهات التنفيذية، مطالبة بالتدخل الفوري لإنقاذ حياة شريكها قبل وصول وضعه الصحي إلى نقطة اللاعودة.
خروقات دستورية وتصاعد الحبس الاحتياطي
وفي سياق الملاحقة القضائية، أكمل عمر مرعي شهره السادس قيد الحبس الاحتياطي بقرار من نيابة أمن الدولة العليا، بعد إدراجه في القضية رقم 3383 لسنة 2026 على خلفية نشاطه السلمي عبر شبكات التواصل، ليتواصل احتجازه دون محاكمة عادلة أو سقف زمني ينهي معاناته الطويلة.
وعودة إلى مجريات الضبط الأولى، داهمت قوة أمنية منزل المخرج في 11 مايو الماضي واقتادته إلى جهة غير معلومة، حيث مكث رهن الإخفاء القسري لعدة أيام تخللها حرمان كامل من التواصل مع ذويه أو محاميه، في تجاوز بين لنصوص قانون الإجراءات الجنائية المنظمة لعمليات التوقيف.
وعقب فترة الاحتجاز السري، مثل مرعي أمام نيابة أمن الدولة في 16 مايو الماضي دون تمكين دفاعه من إثبات واقعة الاحتجاز غير القانوني، متجاهلة البلاغات الرسمية التي حررتها أسرته لإثبات واقعة الاختفاء، لتصدر النيابة قراراً بحبسه احتياطياً وتجديده بصفة دورية دون الالتفات لدفوع البطلان.
ومن الوجهة الدستورية، تبرز المادة 71 من الدستور المصري كحاجز قانوني يحظر بوضوح توقيع عقوبات سالبة للحرية في الجرائم المرتكبة بطريق النشر أو العلانية، الأمر الذي يجعل استمرار احتجاز الفنان بسبب تدوينة مصادرة صريحة للحريات ومخالفة جسيمة للوثيقة الدستورية التي أقرتها الدولة ذاتها.
وفي هذا الصدد، يؤكد المحامي بالنقض والمدافع الحقوقي نجاد البرعي أن التوسع في تطبيق الحبس الاحتياطي على قضايا الرأي يمثل استخداماً للعقوبة قبل المحاكمة، مشدداً على أن نص المادة 71 يمنع حبس الكتاب والمبدعين بسبب آرائهم، ما يجعل احتجاز المواطنين في قضايا النشر عواراً تشريعياً وإجرائياً.
وانطلاقاً من الواقع القائم، يبرز التناقض الصريح بين النصوص الدستورية الملزمة والممارسات القضائية لنيابة أمن الدولة، حيث يتحول الحبس الاحتياطي إلى أداة للتنكيل السياسي وتطويق أصحاب الرأي المعارض، في ظل هيمنة قبضة الأجهزة التابعة لنظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي على منظومة العدالة الجنائية.
استهداف حرية التعبير وحصار الإبداع
وعلى صعيد الانتهاكات الفكرية، شهد محبس مرعي مصادرة منهجية لكافة كتبه وأوراقه ومسودات أعماله الإبداعية، بجانب تجريده من حقه الطبيعي في القراءة والكتابة داخل زنزانته، ما يعكس توجهاً لتصفية النشاط الثقافي للمخرج وتحويل فترة احتجازه إلى عزلة فكرية تامة تضر بإنتاجه الفني.
وبناءً على هذه التطورات، أصدرت نورا السيد بياناً حمّلت فيه الأجهزة المعنية المسؤولية الكاملة عن التدهور المستمر لحالة زوجها، مجددة مطالبتها بالإفراج الفوري عنه ووقف الممارسات العقابية بحقه، إضافة إلى استعادة كتاباته ومؤلفاته المصادرة، ورفع كافة القيود الصارمة المفروضة على حريته الذهنية والتعبيرية.
وتتجلى خطورة هذا النهج في تحويل أدوات التعبير الثقافي إلى تهم سياسية جاهزة تستوجب التنكيل، حيث تفرض السلطات قيوداً مشددة على المبدعين وصناع السينما المستقلة، ساعية إلى فرض نمط أحادي من الصمت وتجريم الآراء التي تغرد خارج السردية الرسمية المفروضة على المجتمع بمختلف أطيافه.
وفي قراءة لهذه التضييقات، يوضح أستاذ العلوم السياسية الدكتور مصطفى كامل السيد أن ملاحقة المخرجين والمفكرين بموجب قضايا أمن الدولة تعكس هشاشة البيئة الديمقراطية، مؤكداً أن مصادرة المواد المكتوبة للمحتجزين تشكل انتهاكاً لحرمة الإبداع الشخصي وتجريداً للإنسان من حقه في التفكير والتواصل المعرفي.
وبينما تواصل أسرة مرعي إضرابها الرمزي لإسماع صوت المخرج المحاصر، تتكثف المطالبات الحقوقية للضغط على النيابة العامة للإفراج عنه وإسقاط التهم الموجهة إليه، معتبرة أن إنهاء الحبس الاحتياطي في قضايا النشر هو الاختبار الحقيقي لسيادة الدستور ووقف الانتهاكات الجسيمة بحق المفكرين والفنانين.
وإزاء هذا الواقع المحتقن، يبقى مصير المخرج الشاب وسلامته الجسدية معلقين بمدى استجابة السلطات لمطالب تلقي العلاج ووقف سياسة التنكيل الممنهج، في وقت تدق فيه المنظمات المعنية ناقوس الخطر إزاء تكرار حوادث الإهمال الطبي التي تحول أماكن الاحتجاز إلى بيئات تهدد الحياة الإنسانية.

