أكملت مصر عقداً كاملاً من التبعية لبرامج صندوق النقد الدولي منذ بدء تطبيق اشتراطاته في عهد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في نوفمبر 2016، حيث قادت حزم التمويل البالغة 25.3 مليار دولار إلى اضطرابات نقدية ومالية بالغة التعقيد، متسببة في خفض متتالٍ لقيمة الجنيه المصري.
وتسببت اشتراطات الصندوق التمويلية في تفاقم أعباء المعيشة على 110 ملايين مصري نتيجة تقليص دعم الوقود والسلع الأساسية، متزامنة مع قفزات غير مسبوقة في الدين الخارجي وتآكل الاحتياطيات النقدية، مما وضع الاقتصاد الوطني رهينة لدوامة القروض وخدمة الفوائد المتراكمة على حساب برامج الحماية الاجتماعية الضرورية.
ديون قياسية تعمق الأزمة الهيكلية
وبدأت مسيرة الاقتراض الموسعة باتفاق تمويلي قيمته 12 مليار دولار لمدة 3 سنوات حتى يوليو 2019، متضمناً تحريراً لسعر صرف الجنيه ليهوي من 8.88 جنيه للدولار إلى نحو 18 جنيهاً، مترافقاً مع موجة تضخمية عاتية طالت كافة مناحي الحياة اليومية للمواطنين.
وتوالت بعد ذلك اتفاقيات الديون لتشمل 2.77 مليار دولار في مايو 2020 و5.4 مليار دولار في يونيو 2021، أعقبها تمويل بقيمة 3 مليارات دولار في ديسمبر 2022 رُفع لاحقاً إلى 8 مليارات دولار في مارس 2024 ليستمر تنفيذه حتى أواخر عام 2026.
وفي هذا الصدد يؤكد الأكاديمي الاقتصادي الدكتور علي عبدالعزيز أن تلك القروض لم توفر أدنى حماية للعملة المحلية، لافتاً إلى أن القرارات المتتالية لخفض الجنيه قادته للهبوط الحاد إلى مستويات تقارب 56 جنيهاً للدولار، مسجلاً خسارة تتجاوز 86 بالمئة من قيمته الإجمالية أمام العملات الأجنبية.
وترافقت هذه الانهيارات المتسارعة مع قفزة غير مسبوقة في حجم الدين الخارجي لمصر الذي صعد من 55.8 مليار دولار في العام المالي 2015/2016 ليصل إلى نحو 166.75 مليار دولار بنهاية الربع الأخير من العام المالي 2024/2025 بزيادة تجاوزت 110 مليارات دولار خلال عقد كامل.
وبالمقارنة مع نقطة الانطلاق حين سجل الدين 46 مليار دولار في يونيو 2014، بلغت الزيادة الإجمالية نحو 121 مليار دولار وبنسبة ارتفاع وصلت إلى 262 بالمئة، بما يبرز فداحة التوجهات التمويلية المعتمدة بصورة مفرطة على الاستدانة الخارجية دون تحقيق أي تطوير حقيقي للبنية الإنتاجية.
انكماش الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية
ويرى مراقبون اقتصاديون أن فلسفة الإصلاح المتبعة ركزت على تحرير سعر الصرف وخفض الدعم كأولويات مطلقة دون مراعاة الكلفة الاجتماعية الفادحة، مما أسفر عن تضاعف فاتورة الفوائد الحكومية بمقدار 7 مرات لتستنزف وحدها نحو 10.6 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي خلال العام المالي 2024/2025.
ويوضح الدكتور علي عبدالعزيز أن التضخم قفز إلى مستويات قياسية بلغت 38 بالمئة في سبتمبر 2023 مع بقاء الأسعار مرتفعة للغاية رغم تراجعه لاحقاً، مؤكداً أن معدل الفقر ارتفع بمقدار 5 نقاط مئوية وفق المعيار الدولي، بينما بلغ 33.5 بالمئة وفق خط الفقر الوطني.
ويشير المحللون إلى تراجع نسبة الاستثمار من 28.9 بالمئة من الناتج المحلي في 2015 إلى 12.9 بالمئة في 2025، في دلالة واضحة على تآكل الطاقات الإنتاجية الجديدة وتكريس ارتهان الاقتصاد للمضاربات وتدفقات الأموال الساخنة سريعة الهروب، مع استمرار العجز الهيكلي عن توليد النقد الأجنبي المستدام.
وبالمقارنة مع تجارب بلدان أخرى كالأرجنتين التي تعثر برنامجها التمويلي البالغ 57 مليار دولار، وسريلانكا وباكستان اللتين واجهتا انهيارات نقدية وتضخماً قياسياً قارب 70 بالمئة، يتبين أن وصفات التقشف والتعويم المفروضة تعمق الأزمات وتتحول إلى دوامة استنزاف مدمرة عند غياب الحماية والإنتاج.
ويحذر خبراء الإدارة الاقتصادية من تسجيل مؤشر مديري المشتريات للقطاع الخاص غير النفطي 47.2 نقطة في أكتوبر 2024 ليبقى دون مستوى 50 الفاصل بين النمو والانكماش للشهر العاشر توالياً، مؤكدين تفاقم أزمة الشركات بسبب تراجع الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل تزامناً مع تضخم المعروض النقدي متجاوزاً 15 تريليون جنيه.
وانعكس انهيار قيمة العملة بصورة صارخة على الذهب كملاذ آمن لحفظ المدخرات، إذ قفز سعر غرام الذهب عيار 21 من 430 جنيهاً في نوفمبر 2016 إلى 6300 جنيه في نوفمبر 2026، لتنحدر القوة الشرائية لمبلغ 1000 جنيه من شراء 2.3 غرام إلى نحو 0.16 غرام فقط.
تقليص الدعم وتفاقم الفقر المجتمعي
وطالت الضغوط التقشفية رغيف الخبز المدعوم الذي استقر سعره لعقود طويلة عند 5 قروش قبل أن ترفعه الحكومة بنسبة 300 بالمئة ليصل إلى 20 قرشاً في يونيو 2024، تزامناً مع خفض وزنه وقيمته الغذائية وزيادة أسعار الخبز السياحي لتصل إلى جنيهين للأوزان الصغيرة.
وتؤكد تقارير المنظمات الدولية مثل برنامج الأغذية العالمي والبنك الدولي تدهور الوضع الغذائي بصورة خطيرة، حيث حلت مصر في المرتبة 55 بمؤشر الجوع العالمي لعام 2026، مع عجز نحو 45.5 مليون مواطن عن تحمل تكلفة الغذاء الصحي المتوازن ومعاناة 49 بالمئة من الأسر انعدام الأمن الغذائي.
وتوضح التقديرات المتخصصة اتساع شريحة غير القادرين على توفير الغذاء الصحي بنحو 14 مليون شخص منذ عام 2017 لتصل إلى 66 مليون مواطن في تقديرات القوة الشرائية لعام 2026، مما يبرهن على التآكل المتسارع للطبقة الوسطى وانحدار فئات واسعة نحو حافة الفقر المدقع.
وفي قطاع الطاقة عمدت الحكومة إلى زيادة أسعار الوقود 21 مرة منذ نوفمبر 2016، حيث قفز لتر بنزين 80 بنسبة تخطت 782 بالمئة صاعداً من 2.35 جنيه إلى 20.75 جنيه في عام 2026، مسجلاً 9 زيادات متتالية خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة وحدها لإلغاء الدعم كلياً.
وتكرر النهج نفسه في تسعير الكهرباء التي رفعت السلطات تعريفتها 10 مرات، لتشهد شريحة الاستهلاك الثالثة لمحدودي الدخل قفزة بنسبة 618 بالمئة من 16 قرشاً للكيلوواط ساعة في 2016 إلى جنيه كامل في 2026، فضلاً عن فرض سعر موحد بقيمة 2.74 جنيه للعدادات الجديدة.
وتتكامل هذه المؤشرات لتؤكد إخفاق وصفات صندوق النقد الدولي في معالجة الخلل المالي، بعدما حولت القروض المتتالية الاقتصاد المصري إلى حلقة مفرغة من الاستدانة وتآكل الدخول وارتفاع الأسعار، مما يفرض على ملايين المواطنين دفع فاتورة قاسية لسياسات التقشف التي جردت المجتمع من شبكات الأمان الحقيقية.

