في ديسمبر 2018، واحدة من اعترافات عبدالفتاح السيسي على نفسه أنه سبب كل الفشل والكوارث اللي حدثت في عهده، بداية من تفريعة القناة (للروح المعنوية) مرورا بالعاصمة الإدارية والاستدانة الرهيبة من الداخل والخارج وضياع حقوق مصر في الغاز ومياه النيل وعزل سيناء وبيع تيران وصنافير، لأن كل ما سبق من "بلا دراسات جدوى"، وقال السيسي: "إحنا لو مشينا بدراسات جدوى مكناش حققنا ربع الإنجازات"!
"ستيفن كوك" الباحث بمنطقة الشرق الأوسط والزميل في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، ب"فورين بوليسي" بعد هذا التصريح بأربع سنوات كتب مقالا يدعو فيه المؤسسات المالية الدولية ودول الخليج للتوقف عن دعم مشروعاته الورقية.
وقال في مقاله المنشور في 17 أغسطس "لكنَّ هذه المشروعات في الغالب «عملية احتيال»، وفق كوك. من المؤكد أنَّ جسر تحيا مصر الجديد شمال وسط القاهرة – وهو أوسع جسر مُعلَّق في العالم – جنبًا إلى جنب مع التقاطعات والجسور الجديدة التي ظهرت في مصر على مدار العقد الماضي، تعد تحسيناتٍ مهمة، والتي يمكن أن تسهم في تطوير الاقتصاد. لكنَّ مشروعات أخرى مضت قدمًا بقليلٍ من الدراسة، وقليل من التبرير الاقتصادي".

ماذا حدث في العاصمة؟
ومع استقالة أكبر رأسين بمشروع الاصمة الإدارية، نقلت "مدى مصر" عن أن استقالة رئيس مجلس إدارة شركة العاصمة الإدارية الجديدة، اللواء أحمد زكي عابدين، ورائها مجموعة من القرارات الخاطئة التي اكتشفتها وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية، بخصوص مشروعات شملت أحياء كاملة، ومولات تجارية ضخمة، نتيجة «استعجال غير مبرر» في الانتهاء من المشروعات.
كما استقال، أمس، أيضًا مدير عام الشركة، اللواء محمد عبد اللطيف. وبحسب مصادر تحدثت لجريدة الشروق، حل محله اللواء أحمد فهمي من وزارة الإسكان، لتولي ملف المشروعات بالشركة.

وعن نماذج اللاجدوى بالمشروع، تحدث الموقع عن أن "هناك أحياء كاملة تم بناؤها دون أن يكون بها جراجات، كما أن العديد من الواجهات تم هدمها وإدخال تعديلات عليها بسبب وجود بروز بالمباني تخالف الاشتراطات الهندسية والتصميمات الإنشائية السليمة، وأن الأمر امتد أيضًا لمشروعات المولات التجارية الضخمة، والتي ظهرت بها عيوب ملحوظة في عدم الالتزام بالمساحات المحددة للمحلات، ليأتي بعضها أصغر كثيرًا من المساحات المتعارف عليها، وبعضها الآخر أوسع بشكل زائد عن اللازم".
وأوضحت أن "دهشة أصابت خبراء من وزارة الإسكان وممثلين عن هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، من اهتمام عابدين ومساعديه بضرورة الانتهاء من المشروعات دون انتظار التراخيص الكاملة، الأمر الذي أدى إلى وجود عيوب ملحوظة، استوجب معها «هدمًا كاملًا» لطوابق متعددة في مولات تجارية، بالإضافة لتكسير في واجهات عمارات لم تلتزم بالبروز المطلوبة".
واضافت أن ".. إدخال تعديلات شملت هدم وتكسير وتغيير واجهات، وأن المواطنين قد خسروا أجزاءً ضخمة من أموالهم، وأن المشروعات التي سوف يسلمونها غير تلك التي اتفقوا عليها في البداية".
وكشفت "مدى مصر" عن الأسابيع الماضية، والتقاء عابدين بعدد من المطورين العقاريين في العاصمة وممثلين عن أحد الأجهزة السيادية، اشتكى خلالها المطورون من قرارات عابدين، وقدموا مستندات تفصيلية تثبت تسببه في خسارتهم ملايين الجنيهات بسبب تضارب قراراته مع اشتراطات وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية بها، لافتًا إلى أن الشكوى من قرارات عابدين وسياساته بدأت مع بداية العام الجاري وزادت بشكل ملحوظ مؤخرًا.

نموذج التفريعة
وعن نموذج آخر، بخلاف العاصمة الإدارية الذي كشفه موقع "مدى مصر" لهذا ال"بلا جدوى"، أشار "ستيفن كوك" إلى أنه "بلغت تكلفة عائد الاستثمار فيما أشار إليه البعض خطأً باسم «قناة السويس الجديدة» 8.5 مليارات دولار. والتي هي في الغالب مجرَّد توسعة جانبية بطول 21 ميلًا على طول القسم الشمالي من الممر المائي. كان الهدف هو تسريع العبور عبر القناة ومن ثم زيادة الإيرادات لمصر، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كان المبلغ القياسي للأموال التي تجنيها هيئة قناة السويس هو نتيجة هذا المسار أم بسبب زيادة الرسوم التي فرضت في السنوات الأخيرة على السفن التي تتحمل 12% من التجارة العالمية التي تمر عبر القناة".

من مربع المعارضة
ويتشابه تقرير "الفورين بوليسي 22" مع تقرير قدمته مجلة "الايكونوميست 2016" ففي أغسطس من هذا العام قالت "الإيكونوميست": السيسي جعل الأمور أكثر سوءاً.. سحق المجتمع المدني وأهمل الإصلاحات ركز علي مشروعات فاشلة بدون فائدة، وتبعتها وكالة بلومبرج فى افتتاحيتها قائلة:"الإنهيارالإقتصادي سببه السيسي" وفي التوضيحات قالت إنه أهدر المساعدات النقدية بمشروعات ليست لها أى جدوى كتوسعة القناة والعاصمة الإدارية.
واستخلص د.. حازم حسني من "الإيكونوميست" ثلاثة ملامح للنموذج الذى اعتمده نظام السيسى لإدارة الشأن الاقتصادى المصرى منذ توليه الحكم، هي:ـ

1- أن الجيش يعمل باعتباره المقاول الرئيسى، وأن القطاع المدنى إنما يعمل من الباطن تحت وصاية الجيش ... الأمر الذى يتعارض مع أهم عنصرين من عناصر الإدارة الرشيدة للاقتصاد وهما الشفافية والتنافسية

2- عمل السيسى على استنساخ نموذج دبى بدلاً من إبداع نموذج لإدارة الشأن الاقتصادى المصرى، الأمر الذى جعله يركز على مشروعات إنشائية كبرى بلا دراسات جدوى وبلا عائد اقتصادى في الأمد المنظور، وهو ما وصفته "الإيكونوميست" بأنه إهدار للمال في الرمال
وفي مقال بعنوان "الإنكار.. والصراخ" علق عبدالله السناوي على عنوان "«دولة الإنكار» من العناوين الحساسة فى عدد «الإيكونوميست»، وهو اتهام له أساسه فى الواقع، فلا أحد رسميا يعترف بعمق الأزمة الاقتصادية أو مستعد لمراجعة أسبابها العميقة التى أفضت إلى الفشل، أو بناء سياسات متماسكة قبل المضى فى المشروعات التى جرت بعضها بلا دراسات جدوى، أو إعادة النظر فى المجموعة الاقتصادية وخياراتها.".
واضاف السناوي "إنكار الأزمة من أسباب تفاقمها وتراجع الثقة فى القدرة على تجاوزها.. إذا لم يكن بوسع أحد تجاهل «الإيكونوميست» بالصمت، فإن مواجهتها بالصراخ الإعلامى هو فى أفضل الأحوال: مادة للاستهلاك المحلى، لا تغير شيئا من المعادلات الرئيسية".
 

توقفوا عن الدعم
وفي تشابه بين مطالب الدوريات الغربية المتخصصة في الاقتصاد، طالب "كوك من خلال مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، الدول الخليجية، السعودية والإمارات وقطر، بالتوقف عن تقديم للسيسي، الذي وصف نظامه بـ "الديكتاتورية غير المستقرة".

وقال "كوك" إن السيسي استهلك الخزينة المصرية على مشاريع ترضي غروره في الوقت الذي يعاني فيه شعبه.

وأضاف "كوك" أن "المشاريع العملاقة التي بدد فيها السيسي أموال المصريين، من تفريعة قناة السويس وأنظمة السلاح ومفاعل نووي إلى عاصمة إدارية جديدة، جميعها مشاريع احتيالية".

ورأى الكاتب أن المشكلة هي أنه كلما ظل "السيسي" ينفق على مشاريع مشكوك في جدواها وقيمتها فإن العبء سيقع على المصريين مما يزيد من تدهور الظروف الصعبة التي يعيشون فيها.

وأوضح أنه "في مرحلة ما، سيكون هناك حد لما يمكن أن تقدمه الدول الثرية مثل السعودية وقطر والإمارات لمصر، إذا أخذنا بعين الاعتبار المشاكل المتعددة حول العالم".

وأكد أن أفضل شيء يفعله السعوديون والقطريون والإماراتيون وصندوق النقد الدولي هو مقاومة فكرة أن "مصر ضخمة بدرجة يجب عدم السماح بانهيارها"، معقبا "ربما كان هذا صحيحا، لكن إنقاذ السيسي بأموال مجانية وشروط سهلة من صندوق النقد الدولي لن تؤدي إلا إلى إطالة الأزمة المصرية".