في يوم الطفل الفلسطيني الموافق 5 أبريل من كل عام، تواصل إسرائيل منذ 18 شهرا حرمان الأطفال في قطاع غزة من أبسط حقوقهم جراء حرب الإبادة الجماعية التي ترتكبها، ما تسبب في مآس إنسانية جسيمة من قتل وتهجير وتيتيم وتجويع.

تتزامن اليوم **هجمات جيش الاحتلال الغاشمة على أبرياء وأطفال دولة فلسطين مع يوم الطفل الفلسطيني، وهو اليوم المقرر له أن يكون احتفالا للأطفال الفلسطينيون داخل أراضيهم.

ففي الوقت الذي يجهز فيه أطفال العالم حقائبهم صباح كل يوم استعدادا ليوم دراسي حافل، يستيقظ أطفال غزة على دوي انفجارات ضخمة ومشاهد للموت والدمار بينما عاد عشرات الآلاف منهم لتجهيز حقائبهم استعدادا لإنذارات الإخلاء الإسرائيلية.

وبينما يداوي أطفال العالم جراحاتهم بتقربهم من والديهم خلال فتراتهم الحرجة، فإن عشرات الآلاف من أطفال غزة باتوا أيتاما، وفق ما تؤكده تقارير إحصائية وحقوقية.

**ولم يكن **يوم الطفل الفلسطيني** هذا العامة كسابقه، حيث الآلاف من الضحايا والأبرياء والأيتام والشهداء والمصابين الذين يزداد أعدادهم يومًا بعد يوم بسبب العدوان الإسرائيلي على غزة، ومن كتب له القدر النجاة فهو الآن مشرد يعيش بين الخيام بعيد عن منازلهم التي أبداتها جيوش الاحتلال.
 

أكثر من 39 ألف طفل يتيم بغزة
قال الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، الخميس، إن قطاع غزة يعاني من أكبر أزمة يُتم في التاريخ الحديث، مع فقدان أكثر من 39 ألف طفل أحد والديهم أو كليهما، منذ بدء الإبادة التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين.

جاء ذلك في بيان لجهاز الإحصاء، عشية يوم الطفل الفلسطيني، وصل الأناضول نسخة منه.

وذكر البيان أن 39384 طفلاً بقطاع غزة فقدوا أحد والديهم أو كليهما بعد 534 يوماً من الإبادة الإسرائيلية في القطاع، بينهم حوالي 17 ألف طفل حرموا من كلا الوالدين، ليجدوا أنفسهم في مواجهة قاسية مع الحياة دون سند أو رعاية.

وأضاف: "يعيش هؤلاء الأطفال في ظروف مأساوية، حيث اضطر الكثير منهم للجوء إلى خيام ممزقة أو منازل مهدمة، في ظل غياب شبه تام للرعاية الاجتماعية والدعم النفسي".

وتابع: "المعاناة لا تقتصر على فقدان الأسرة والمأوى، بل تمتد إلى أزمات نفسية واجتماعية حادة؛ إذ يعانون من اضطرابات نفسية عميقة، مثل الاكتئاب والعزلة والخوف المزمن، في غياب الأمان والتوجيه السليم، إضافة إلى ضعف التعلم والتطور الاجتماعي، ليجدوا أنفسهم فريسة لعمالة الأطفال، أو الاستغلال في بيئة قاسية لا ترحم".

وذكر البيان أن المجاعة وسوء التغذية تهدد حياة الأطفال في قطاع غزة، حيث أن هناك 60 ألف حالة متوقعة من سوء التغذية الحاد، مؤكدا عودة شلل الأطفال إلى قطاع غزة.

وأظهرت التقديرات الديموغرافية أن عدد سكان دولة فلسطين بلغ نحو 5.5 ملايين نسمة مع نهاية العام 2024، وتوزعوا بواقع 3.4 ملايين في الضفة الغربية و2.1 مليون بقطاع غزة.

ويشكل الأطفال دون سن 18 عاماً 43 بالمئة من إجمالي المواطنين الفلسطينيين، وفق الجهاز المركزي للإحصاء.

وبحسب البيان "أسفر العدوان الإسرائيلي عن استشهاد 17954 طفلاً، منهم 274 رضيعاً ولدوا واستشهدوا تحت القصف، و876 طفلاً دون عام واحد، و17 طفلاً ماتوا جراء البرد في خيام النازحين، و52 طفلاً قضوا بسبب التجويع وسوء التغذية الممنهج".
 

أكثر من 1,055 حالة اعتقال بحق الأطفال
   
كشف تقرير صادر عن مؤسسات حقوق الأسرى عن تصاعد غير مسبوق في اعتقالات الاحتلال الإسرائيلي للأطفال الفلسطينيين، حيث وثّق خلال العام 2024، وحده، اعتقال ما لا يقل عن 700 طفل، ليرتفع إجمالي الأطفال المعتقلين منذ اندلاع الحرب إلى أكثر من 1,055 طفلاً. 

 حرم هؤلاء الأطفال من طفولتهم وحقهم في التعليم، وتعرضوا لانتهاكات جسيمة أثناء الاعتقال، شملت اقتحام منازلهم ليلاً، والاعتداء عليهم بالضرب أمام ذويهم، وإطلاق النار عليهم، إضافة إلى تقييد أيديهم وأرجلهم وتعصيب أعينهم وحرمانهم من المساعدة القانونية، في انتهاك واضح للقانون الدولي، واتفاقية حقوق الطفل.  وحتى بداية آذار 2025، لا يزال الاحتلال يحتجز أكثر من 350 طفلاً أسيراً.  

وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار في كانون الثاني 2025، تم الإفراج عن 51 طفلاً من الضفة الغربية والقدس والخط الأخضر، إضافة إلى 44 طفلاً من قطاع غزة، اعتقلوا بعد السابع من تشرين الأول، وذلك ضمن المرحلة الأولى من صفقة التبادل.
 

طفولة في ظل الإبادة
   في صباح الخامس من أبريل، حيث يحتفل العالم بيوم الطفل الفلسطيني، يستفيق الأطفال في غزة على واقع مختلف تمامًا. في أزقة المدينة المدمرة، بين الركام الذي كان يومًا منازل دافئة، يواصل الأطفال سيرهم حفاة، يتلمسون طريقهم بين الأنقاض بحثًا عن لقمة تسد جوعهم أو نقطة ماء تروي عطشهم.
لا يرفرف في سمائهم علم الفرح الذي ترفعه باقي شعوب العالم في هذا اليوم، بل يحملون أملًا ضئيلًا في غدٍ قد لا يأتي، وأحلامًا سُرقت مع أولى زخات القصف.
ففي قلب هذا العدوان المستمر على غزة، تزداد جراح الأطفال عمقًا كل يوم. ليس فقط

على أجسادهم، بل على عوالمهم البريئة التي بدأت تذبل شيئًا فشيئًا.
في كل زاوية من زوايا المدينة المحطمة، تجد الأطفال لا ينفكون عن مشاهدة صور من الألم والدمار، يواجهون واقعًا مفجعًا يجعلهم يتنقلون بين شظايا حياتهم الممزقة، مُتسائلين: كيف يمكن لعالمهم الصغير أن يعود كما كان في ظل هذه الإبادة.
الحرب هنا لا تميز بين طفل وطفل، بل تسلب منهم كل شيء: الأمان، والطفولة، وحتى الحلم.
هذه الحرب لا تترك للأطفال سوى الخراب في كل لحظة، حتى في الأيام التي من المفترض أن تكون مليئة بالأمل، مثل يوم الطفل الفلسطيني، يتحول فيها الفرح إلى ذكرى بعيدة، وأحلامهم إلى أنقاض.
 

جرائم بلا محاسبة
   لا يمكن للإنسانية أن تصمت أمام هذا الحجم من الفظائع التي تحدث يوميًا في غزة.
في تقارير عديدة، وصفت الأمم المتحدة استهداف الأطفال في غزة أنه «انتهاك جسيم لحقوق الإنسان».
في هذا السياق، قالت منظمة اليونيسف: «ما يحدث في غزة هو أحد أسوأ الكوارث الإنسانية التي شهدها العالم. يتم استهداف الأطفال بشكل مباشر في عمليات القصف والحصار”.

وأكدت منظمة العفو الدولية أن «القوات الإسرائيلية تنتهك القانون الدولي الإنساني بشكل ممنهج، عبر استهداف المناطق المدنية دون تمييز، مما يعرّض الأطفال للخطر بصورة غير مسبوقة”.
وأضافت المنظمة أن هذه الانتهاكات تشمل القصف العشوائي للمنازل والمدارس، ما أدى إلى مقتل وتشويه الآلاف من الأطفال».

وفي وقت يعجز فيه المجتمع الدولي عن اتخاذ أي إجراءات حاسمة، طالبت المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق عاجل في الجرائم التي ترتكب في غزة، مشددة على ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الفظائع، خصوصًا أولئك الذين استهدفوا الأطفال بشكل مباشر.

ومع دخول العدوان يومه الـ 550، تزداد معاناة الأطفال، ويظل السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى سيبقى العالم صامتًا أمام هذه المجازر؟

يقول الدكتور رياض الأشقر، الناطق باسم “مركز الأسرى للدراسات” لـ”القدس العربي”: «إسرائيل تنتهك كافة المواثيق الدولية، ولا توجد مساءلة حقيقية. أطفال غزة يعيشون في جحيم يومي، بلا طعام، بلا مدارس، بلا أمان».
ويؤكد أنه «إذا لم يتحرك المجتمع الدولي لمواجهة إبادة وتدمير الأطفال في قطاع غزة، فسنشهد جيلًا كاملًا من الأشخاص المحطمين نفسيًا وجسديًا”.