في خطوة تعيد إلى الأذهان أحلك فترات التمييز العنصري في التاريخ الحديث، لم يكتفِ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعادة إحياء سياسات الانغلاق، بل دشن مرحلة جديدة من "الفاشية القانونية" بإعلانه الصادم مساء الخميس الماضي عن وقف الهجرة تمامًا مما أسماه "دول العالم الثالث". هذا القرار، الذي جاء متدثرًا بعباءة الأمن القومي الزائفة عقب حادثة فردية معزولة، لا يمكن قراءته إلا كإعلان حرب مفتوحة على الفقراء والملونين، ومحاولة فجة لإعادة هندسة الديموغرافيا الأمريكية بما يخدم خيالات "التفوق الأبيض" التي تسيطر على أروقة البيت الأبيض في ولايته الثانية.

 

إن استغلال ترامب لدماء الجندية "سارة بيكستروم"، التي قُتلت برصاص لاجئ أفغاني، لتحويل مأساة جنائية إلى ذريعة لعقاب جماعي يشمل ملايين البشر، يمثل قمة الانحطاط السياسي. فبدلاً من معالجة الثغرات الأمنية الفردية، اختار الرئيس الأمريكي أن يوصم شعوبًا بأكملها بـ"الإرهاب" و"التخلف"، مستخدمًا مصطلح "العالم الثالث" الذي عفى عليه الزمن، ليس كتصنيف اقتصادي، بل كشتيمة سياسية تبرر الإقصاء والترحيل.

 

قائمة العار: عقاب جماعي لضحايا السياسات الأمريكية

 

كشفت وزارة الأمن الداخلي عن قائمة الدول الـ19 المستهدفة، والتي تضم: ليبيا، السودان، اليمن، الصومال، إيران، أفغانستان، وبورما (ميانمار)، إلى جانب دول أخرى مثل فنزويلا وهايتي وكوبا. إن النظر في هذه القائمة يكشف عن نفاق صارخ؛ فغالبية هذه الدول هي بالأساس ضحايا لتدخلات عسكرية أمريكية مباشرة، أو عقوبات اقتصادية خنقت شعوبها، أو سياسات خارجية دعمت أنظمة قمعية فيها.

 

إن إدراج دول مثل أفغانستان والعراق (ضمنيًا عبر التدقيق) واليمن، التي دمرتها الحروب التي كانت واشنطن طرفًا رئيسيًا فيها، ثم إغلاق الباب في وجه الفارين من جحيم تلك الحروب، يمثل تخليًا أخلاقيًا كاملًا عن المسؤولية. القرار لا يستهدف "حماية أمريكا" كما يزعم ترامب، بل يستهدف معاقبة الضحية مرتين: مرة بالقصف والحصار، ومرة بالحرمان من حق الحياة واللجوء.

 

"الهجرة العكسية": الترحيل كأداة للتطهير الثقافي

 

لعل الأخطر في خطاب ترامب الأخير ليس فقط وقف الهجرة المستقبلية، بل وعيده بإلغاء تأشيرات وموافقات لجوء صدرت بالفعل خلال سنوات حكم سلفه جو بايدن. هذا التوجه نحو تطبيق القوانين بأثر رجعي ينسف مبدأ "الأمن القانوني" من جذوره، ويحول ملايين المقيمين الشرعيين فجأة إلى "مخالفين" مهددين بالترحيل القسري.

 


إن استخدام ترامب لمصطلحات مثل "الهجرة العكسية" والحديث عن ترحيل من هم "غير منسجمين مع الحضارة الغربية" و"العبء على الدولة"، يشي بأن المعيار لم يعد القانون أو الالتزام بالنظام، بل العرق والثقافة والدين. إنها لغة تقترب بشكل مخيف من أدبيات الحركات النازية التي كانت تصنف البشر إلى درجات، حيث يتم تجريد المهاجرين من إنسانيتهم وتحويلهم إلى أرقام فائضة يجب التخلص منها لضمان "نقاء" المجتمع.

 

ذرائع واهية وتوظيف سياسي للدماء

 

حاول ترامب ربط قراره بجريمة اللاجئ الأفغاني "رحمن الله لاكانوال"، متجاهلاً حقيقة أن هذا الشخص حصل على حق اللجوء النهائي في عهد ترامب نفسه (عام 2025)، رغم دخوله في عهد بايدن. هذا التناقض الفاضح يكشف أن الجريمة ليست سوى "قميص عثمان" يلوح به الرئيس لتمرير أجندة معدة مسبقًا.

 

إن وصف ترامب لعملية الإجلاء من أفغانستان بـ"الجسر الجوي المروع" واتهامها بإدخال "مخربين"، يتجاهل أن إدارته هي من وقعت اتفاق الانسحاب الكارثي مع طالبان في ولايته الأولى، ما مهد الطريق لانهيار الدولة الأفغانية. لكن في عرف الترامبية، الحقائق لا تهم طالما أن الأكاذيب تخدم الغاية الشعبوية في شحن القواعد الانتخابية بالكراهية والخوف من "الآخر".

 

معركة القيم: سقوط القناع عن الوجه القبيح لأمريكا

 

إن هذه القرارات تتجاوز كونها إجراءات إدارية؛ إنها إعلان وفاة لما تبقى من صورة الولايات المتحدة كـ"أرض الفرص" أو ملاذ للمضطهدين. عندما يعلن رئيس القوة العظمى في العالم أن بلاده ستغلق أبوابها في وجه "العالم الثالث" بشكل دائم، فإنه يرسل رسالة مفادها أن حقوق الإنسان هي امتياز حصري للرجل الأبيض الغربي، وأن القوانين الدولية التي صاغتها بلاده يومًا ما لم تعد تساوي الحبر الذي كُتبت به.

 

إن المنظمات الحقوقية والمجتمع الدولي لا يواجهون اليوم مجرد قرارات رئاسية، بل يواجهون انقلابًا شاملاً على قيم المساواة والعدالة. وإذا كانت المحاكم قد نجحت جزئيًا في كبح جماح ترامب في ولايته الأولى، فإن سرعة وشراسة القرارات الحالية، والتعيينات القضائية التي قام بها، تنذر بأن المعركة هذه المرة ستكون أشرس، وأن أمريكا تنزلق بخطى متسارعة نحو نموذج دولة بوليسية تمارس التمييز العنصري بقوة القانون.