في تصعيد خطير ينذر بإشعال مواجهة عسكرية مفتوحة في الفناء الخلفي للولايات المتحدة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في خطوة أحادية الجانب، إغلاق المجال الجوي الفنزويلي "بشكل كامل"، موجهاً تحذيرات شديدة اللهجة لجميع شركات الطيران العالمية من الاقتراب من الأجواء الفنزويلية. هذا الإعلان، الذي جاء عبر منصته "تروث سوشيال"، لم يكن مجرد تحذير روتيني، بل وصفته دوائر استخباراتية وإعلامية، وعلى رأسها صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، بأنه "البيان رقم واحد" في عملية عسكرية واسعة النطاق يجري الإعداد لها لإسقاط نظام الرئيس نيكولاس مادورو.
الحصار الجوي: خنق فنزويلا وعزلها عن العالم
في تطور لافت لسياسة "الخنق البطيء"، نشر ترامب تدوينة حادة وصفتها الأوساط الدبلوماسية بـ"العدائية"، قائلاً: "إلى جميع شركات الطيران، والطيارين، وتجار المخدرات، ومهربي البشر.. يرجى اعتبار المجال الجوي فوق فنزويلا ومحيطها مغلقًا بالكامل".
هذا "فرمان" الرئاسي جاء ليتوج سلسلة من الإجراءات العقابية، حيث كانت إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية (FAA) قد أصدرت قبل أسبوع تحذيراً للطيارين من "مخاطر محتملة" عند التحليق فوق فنزويلا، متذرعة بـ"تدهور الوضع الأمني وتزايد النشاط العسكري".
الهدف من هذه الخطوة واضح: شل حركة النقل الجوي من وإلى فنزويلا، وعزل كاراكاس تماماً عن محيطها الدولي، وخلق ذريعة "حماية الملاحة الجوية" لتبرير أي تدخل عسكري لاحق، وهو ما دفع عدة شركات طيران عالمية، مثل "تاب" البرتغالية و"إيبيريا" الإسبانية، إلى تعليق رحلاتها فوراً خوفاً من العقوبات أو الاستهداف.
التحشيد العسكري: "أرمادا" أمريكية في البحر الكاريبي
لم يكتفِ البيت الأبيض بالحرب الاقتصادية والدبلوماسية، بل انتقل إلى التهديد المباشر بالقوة الغاشمة. وتشير تقارير استخباراتية متطابقة إلى أن الجيش الأمريكي بدأ بالفعل في نشر قطع بحرية ضخمة في البحر الكاريبي، بما في ذلك حاملة طائرات نووية، بالتزامن مع طلعات جوية لقاذفات استراتيجية قرب السواحل الفنزويلية، في استعراض للعضلات وصفته كاراكاس بـ"الاستفزاز الإمبريالي".
صحيفة "يديعوت أحرونوت" كشفت النقاب عن أن هذا التحشيد ليس مجرد مناورات، بل هو "تحضير عملياتي" لسيناريوهات متعددة عُرضت على ترامب مؤخراً، تشمل ضربات جوية دقيقة لمنشآت عسكرية، واستهداف طرق مزعومة لتهريب المخدرات، وصولاً إلى سيناريو "الغزو المحدود" للإطاحة بالنظام الاشتراكي الحاكم.
كاراكاس ترد: "لن نكون فيتنام جديدة"
في المقابل، تعاملت الحكومة الفنزويلية مع هذه التهديدات بصرامة وتحدٍ. وردت هيئة الطيران المدني في فنزويلا بتعليق تصاريح شركات الطيران التي انصاعت للتحذيرات الأمريكية، متهمة إياها بالمشاركة في "مؤامرة واشنطن".
وأكد الرئيس مادورو في خطاب ناري أن بلاده "لن تركع للإمبريالية الأمريكية"، محذراً من أن أي مغامرة عسكرية أمريكية ستتحول إلى "مستنقع فيتنامي" جديد لجنود المارينز، وأن فنزويلا مستعدة للدفاع عن سيادتها بكل الوسائل المتاحة.
وتتهم كاراكاس واشنطن باستخدام ذريعة "مكافحة المخدرات" كغطاء سياسي لتمرير أجندتها الاستعمارية، الهادفة للسيطرة على أكبر احتياطي نفطي في العالم، وتنصيب حكومة دمية تابعة للبيت الأبيض.
الدوافع الخفية: تصدير الأزمات وصناعة "عدو"
يرى مراقبون أن تصعيد ترامب المفاجئ ضد فنزويلا في هذا التوقيت بالذات لا ينفصل عن حسابات السياسة الداخلية الأمريكية. فالرئيس الجمهوري يسعى، عبر قرع طبول الحرب الخارجية، إلى تصدير أزماته الداخلية وحشد قاعدته الانتخابية حول "عدو خارجي"، مستعيراً أساليب الحرب الباردة في شيطنة الخصوم اليساريين في أمريكا اللاتينية.
كما أن استخدام مصطلحات مثل "تجار المخدرات" في البيان الرئاسي يهدف إلى إضفاء شرعية أخلاقية زائفة على أي عمل عسكري قادم، وتسويقه للرأي العام الأمريكي والدولي كحرب "ضد الجريمة"، بينما هو في جوهره حرب "هيمنة ونفوذ".
ختاماً، تضع هذه التطورات المتسارعة منطقة الكاريبي على فوهة بركان، حيث يبدو أن الإدارة الأمريكية قد حسمت خيارها بالتصعيد، متجاهلة التحذيرات الدولية من مغبة إشعال حرب جديدة قد لا تحمد عقباها، وتدفع ثمنها الشعوب من أمنها واستقرارها، في سبيل تحقيق أطماع جيوسياسية لا تشبع.

