بينما ترتعد فرائص العالم من تفشي فيروس "ماربورغ" النزفي في منطقة القرن الأفريقي، حيث تجاوزت الوفيات في إثيوبيا 80 حالة، يعيد النظام المصري إنتاج مشهد "إنكار الكوارث" ذاته الذي عاشه المصريون في بدايات جائحة كورونا. في الوقت الذي تعلن فيه وزارة الصحة نظرياً حالة التأهب على المنافذ، يغيب وزير التعليم عن المشهد تماماً، تاركاً ملايين الطلاب في المدارس فريسة للشائعات، وربما لما هو أخطر، وسط صمت يرقى إلى مستوى "الجريمة الإدارية".

 

وزير التعليم: "الغياب" استراتيجية أم عجز؟

 

في الوقت الذي تتوارد فيه شهادات مرعبة من داخل المدارس عن حالات إعياء جماعي، وارتفاع مفاجئ في درجات الحرارة بين الطلاب، يلتزم وزير التعليم الصمت المطبق. لا بيانات توضيحية، لا خطط طوارئ معلنة، ولا حتى تعليمات واضحة للمديريات التعليمية بكيفية التعامل مع الحالات المشتبه بها.

 

هذا الصمت ليس مجرد "تأني"، بل هو استمرار لسياسة "دفن الرأس في الرمال". فبدلاً من مصارحة أولياء الأمور بحقيقة الوضع، أو اتخاذ إجراءات وقائية استباقية مثل تعليق الدراسة في المناطق المشبوهة أو تفعيل التعليم عن بعد، تكتفي الوزارة بترك مديري المدارس يواجهون الأزمة منفردين، بقرارات ارتجالية تقتصر على "نصيحة" الطلاب بالبقاء في المنازل.

 

المدارس: بيئة خصبة للكارثة

 

تشير تقارير ميدانية إلى أن المدارس المصرية، بكثافاتها الطلابية الخانقة وافتقارها لأدنى مقومات النظافة والتهوية، تمثل "قنبلة موقوتة" لأي وباء. فكيف لوزير التعليم أن يطمئن الأهالي وهو يعلم يقيناً أن دورات المياه في آلاف المدارس لا تصلح للاستخدام الآدمي، وأن الفصول مكدسة بما يتجاوز 70 طالباً في الفصل الواحد؟

 

إن تركيز الوزارة على "استكمال العام الدراسي" بأي ثمن، دون النظر للمخاطر الصحية، يعكس عقلية "الموظف" الذي يخشى التقارير السلبية أكثر من خشيته على أرواح البشر. إنه نفس المنطق الذي أدى سابقاً إلى تفشي كورونا في المدارس والجامعات قبل أن تُجبر الدولة على الإغلاق المتأخر.

 

وزارة الصحة: "بيانات مطمئنة" على ورق مهترئ

 

على الجانب الآخر، تمارس وزارة الصحة دور "المُخدر العام". تتحدث البيانات الرسمية عن "إجراءات مشددة" و"مناظرة القادمين"، لكن الواقع يكشف هشاشة النظام الصحي. هل تستطيع مستشفيات الحميات المتهالكة استيعاب موجة وبائية جديدة؟ هل توجد غرف عزل حقيقية مجهزة للتعامل مع فيروس بنسبة وفيات تصل إلى 88%؟

 

يرى مراقبون أن حديث الوزارة عن "الاستعداد" لا يعدو كونه استهلاكاً إعلامياً. فالبنية التحتية التي عجزت عن توفير الأكسجين في ذروة كورونا، لم تشهد تطويراً حقيقياً يؤهلها لمواجهة "ماربورغ". إنها منظومة "اللقطة" التي تهتم بالمؤتمرات الرئاسية وافتتاح المشروعات الخرسانية، بينما يئن القطاع الطبي من نقص المستلزمات وهجرة الأطباء.

 

"ماربورغ" ليس كورونا: الخطأ ممنوع

 

ما يغيب عن ذهن صانع القرار في مصر هو أن "ماربورغ" لا يحتمل التجريب أو المناورة. إنه ليس فيروساً تنفسياً يمكن التعايش معه، بل هو قاتل سريع يفتك بالأجساد وينهي الحياة في أيام. إن التعامل معه بمنطق "الإنكار حتى تثبت الكارثة" هو مقامرة بأرواح ملايين المصريين.

 

الخلاصة: المحاسبة قبل الكارثة

 

إن استمرار وزير التعليم في سياسة الصمت، وتواطؤ الحكومة في "تسكين" مخاوف الناس دون إجراءات حقيقية على الأرض، يضع النظام برمته في قفص الاتهام. المطلوب الآن ليس بيانات نفي، بل تحرك فوري:

 

  • إعلان شفاف عن الوضع الصحي في المدارس.
  • تجهيز خطط إغلاق جزئي أو كلي عند الضرورة القصوى.
  • توفير مستلزمات النظافة والتعقيم في المدارس (وليس مجرد تعاميم ورقية).

 

وإلا، فإن التاريخ سيسجل أن حكومة مصر في 2025، واجهت الطاعون بـ "الصمت"، وتركت أطفالها يواجهون مصيرهم في فصول مكدسة، بينما انشغل وزراؤها بتجميل الصورة.