بينما يتمدد الاحتلال الإسرائيلي جنوبًا نحو أرض الصومال ليسيطر على باب المندب ويطوّق مصر من الجنوب، يواصل قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي توسيع علاقاته مع تل أبيب وتعميق التنسيق الأمني والعسكري معها، في مشهد يكشف عن خيانة استراتيجية غير مسبوقة للأمن القومي المصري. التهديد الإسرائيلي لم يعد نظريًا أو بعيدًا، بل أصبح يحاصر مصر من الشرق والشمال والآن من الجنوب، في كماشة استراتيجية تستهدف أهم الشرايين الحيوية للدولة المصرية: قناة السويس والبحر الأحمر.

 

لكن السيسي، بدلاً من اتخاذ موقف دفاعي وبناء تحالفات إقليمية لمواجهة هذا التمدد الخطير، يقدم أوراقه الواحدة تلو الأخرى لإسرائيل تحت ذرائع واهية عن "السلام" و"الاستقرار"، بينما تتآكل ثوابت الأمن القومي المصري وتُباع السيادة الوطنية بثمن بخس. هذا ليس فشلاً سياسيًا عابرًا، بل خيانة استراتيجية متعمدة لمصالح مصر ووجودها ذاته.

 

تواطؤ مع من يطوّقك: عندما يحالف الضحية جلاده

 

الوجود الإسرائيلي المحتمل في أرض الصومال يعني سيطرة مباشرة على باب المندب، المدخل الجنوبي للبحر الأحمر الذي يمر منه 12% من التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات. أي وجود عسكري أو استخباراتي إسرائيلي هناك يمنح تل أبيب القدرة على مراقبة وتهديد الملاحة المصرية والعربية، والتحكم في شريان حيوي لقناة السويس، وتطويق مصر استراتيجيًا من الجنوب ليكتمل الحصار.

 

لكن السيسي، بدلاً من إدراك خطورة هذا التمدد ومواجهته، يواصل تعميق علاقاته مع إسرائيل. صادرات الغاز المصري لإسرائيل تتواصل، التنسيق الأمني يتوسع، التفاهمات العسكرية تتعمق، والنظام يحوّل مصر إلى ساحة خلفية آمنة للاحتلال بينما يعمل الأخير على تطويقها وخنقها استراتيجيًا.

 

هذا ليس مجرد قصر نظر سياسي، بل تواطؤ متعمد مع من يهدد الوجود المصري ذاته. السيسي يتصرف كأنه لا يرى الخطر، أو الأسوأ، كأنه لا يكترث به طالما أن علاقته بواشنطن وتل أبيب تضمن بقاءه في السلطة. المصلحة الشخصية للنظام تسبق الأمن القومي للدولة.

 

تفريط في قناة السويس وسيادة البحر الأحمر

 

قناة السويس ليست مجرد ممر مائي، بل شريان الاقتصاد المصري ومصدر رئيسي للعملة الصعبة وأحد أهم أدوات النفوذ الجيوسياسي المصري. أي تهديد لباب المندب يعني تهديدًا مباشرًا للقناة، لأن تأمين الملاحة عبر البحر الأحمر شرط لاستمرار حركة السفن نحو السويس.

 

الوجود الإسرائيلي في أرض الصومال، مع وجودها المتنامي في إريتريا وعلاقاتها مع إثيوبيا، يشكل شبكة تطويق كاملة حول مصر. من شرق المتوسط حيث حقول الغاز وقبرص واليونان، إلى سيناء والحدود الشرقية، وصولاً إلى إثيوبيا وسد النهضة، والآن باب المندب والقرن الأفريقي. مصر محاصرة من كل الجهات، والسيسي يتفرج أو بالأحرى يساعد في إحكام الحصار.

 

التفريط في الأمن القومي المصري وصل لدرجة أن النظام لم يتخذ أي موقف فعلي ضد التمدد الإسرائيلي في القرن الأفريقي، ولم يحرك ساكنًا في مواجهة العلاقات الإسرائيلية-الإثيوبية التي تهدد الأمن المائي المصري، ولم يبنِ أي تحالفات إقليمية حقيقية لمواجهة هذا التطويق المنهجي.

 

خيانة استراتيجية: بيع الأمن القومي مقابل البقاء في السلطة

 

ما يفعله السيسي ليس مجرد أخطاء سياسية قابلة للتصحيح، بل خيانة استراتيجية منهجية لمصالح مصر الحيوية. النظام يعلم تمامًا أن إسرائيل تعمل على تطويق مصر وتهديد وجودها، لكنه يختار التحالف معها مقابل ضمان الدعم الأمريكي واستمراره في الحكم.

 

المنطق الحاكم لسياسات السيسي بسيط ومخزٍ: البقاء في السلطة أهم من الأمن القومي، رضا واشنطن وتل أبيب أولى من سيادة مصر، العلاقات الشخصية مع قادة الاحتلال أثمن من مستقبل 110 ملايين مصري. النظام باع كل شيء: غاز مصر يذهب لإسرائيل بأسعار مخفضة، التنسيق الأمني يصل لحد التواطؤ في حصار غزة، والصمت المطبق على كل التحركات الإسرائيلية المهددة للأمن القومي المصري.

 

الأخطر من كل ذلك أن هذه الخيانة الاستراتيجية لا تواجه أي محاسبة أو مساءلة. الإعلام المصري يصمت أو يبرر، المعارضة مقموعة ومسجونة، والشعب المصري محروم حتى من حق معرفة حجم الكارثة التي يُدفع ثمنها من أمنه ومستقبله.

 

السيسي يحافظ على كرسيه، ويوسع علاقاته مع من يطوّق بلاده ويهدد وجودها. التمدد الإسرائيلي في أرض الصومال ليس حدثًا معزولاً، بل جزء من استراتيجية شاملة لتطويق مصر والسيطرة على أهم الممرات الحيوية في المنطقة. والنظام المصري، بدلاً من المقاومة، يختار التواطؤ. هذه ليست سياسة خارجية فاشلة، بل خيانة عظمى بكل المقاييس، ومصر وشعبها سيدفعون الثمن لعقود قادمة.