قطعت إسرائيل الكهرباء والمياه عن المنشآت التابعة لوكالة الأونروا، في خطوة وصفها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش بأنها "ستقوّض قدرة الوكالة على أداء مهامها الإنسانية". المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أكد أن هذا الإجراء "سيزيد من إعاقة عمل الأونروا وتنفيذ أنشطتها"، مشددًا على أن ممتلكات الوكالة "مصونة بموجب القانون الدولي".
يتزامن هذا مع تعليق إسرائيل تراخيص 37 منظمة دولية غير حكومية عاملة في غزة، بما فيها أطباء بلا حدود والمجلس النرويجي للاجئين، في حملة ممنهجة لتجويع الفلسطينيين ومنع وصول المساعدات.
هذه الجرائم الموثقة تحدث على بعد كيلومترات قليلة من الحدود المصرية، والنظام المصري صامت تمامًا. لا موقف رسمي واضح، لا إدانة حقيقية، لا إجراءات عملية. السيسي الذي يدّعي "الوساطة" و"الحرص على غزة" يتفرج على تجويع ممنهج لمليوني إنسان دون أن يحرك ساكنًا. بل الأسوأ، يستمر في التنسيق الأمني مع من يرتكب هذه الجرائم، ويمنع إدخال المساعدات الكافية من معبر رفح المغلق بأوامر مصرية-إسرائيلية مشتركة.
حصار الإغاثة: قطع شريان الحياة عن 2 مليون إنسان
قطع الكهرباء والمياه عن منشآت الأونروا التي تقدم خدمات التعليم والصحة والمساعدات الإنسانية لملايين اللاجئين الفلسطينيين في غزة، يعني حرفيًا تدمير البنية التحتية الإنسانية الوحيدة المتبقية في القطاع المحاصر. المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني وصف القرار بأنه "جزء من حملة ممنهجة مستمرة لتشويه سمعة الوكالة وعرقلة دورها في تقديم المساعدة للاجئين الفلسطينيين".
الأخطر أن هذا يأتي بعد إقرار الكنيست في أكتوبر الماضي تشريعين لحظر عمل الأونروا في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية وقطع العلاقات الدبلوماسية معها. نتنياهو طالب بـ"محاسبة موظفين بالأونروا" بدعوى "تنفيذهم أنشطة إرهابية ضد إسرائيل"، في اتهامات لم تثبت ولم تُقدم إسرائيل أي أدلة جدية عليها.
تعليق تراخيص 37 منظمة إغاثة دولية بدعوى عدم تقديم "البيانات الشخصية الكاملة لموظفيها" و"ارتباط بعضهم بجماعات إرهابية"، هو ذريعة واهية لتجويع غزة. المنظمات ترفض تسليم بيانات موظفيها الفلسطينيين لأن ذلك "قد يعرّضهم للخطر"، وهو خوف مشروع في ظل الاعتقالات والاغتيالات الإسرائيلية الممنهجة.
البيان المشترك لـ10 دول (كندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وأيسلندا واليابان والنرويج والسويد وسويسرا وبريطانيا) حذّر من أن هذه الإجراءات "سيكون لها تأثير شديد على وصول الخدمات الأساسية"، وأن "واحدًا من كل ثلاثة مرافق للرعاية الصحية في غزة مهدد بالإغلاق" إذا توقفت عمليات المنظمات الدولية. العالم يحذر من كارثة إنسانية، ومصر صامتة.
انتهاك اتفاق وقف النار: 600 شاحنة موعودة و100 تدخل
اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر ينص على دخول 600 شاحنة مساعدات يوميًا، لكن العدد الفعلي يتراوح بين 100 و300 شاحنة فقط، بحسب الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة. أي أقل من نصف المطلوب في أحسن الأحوال. هذا يعني أن التجويع مستمر حتى في ظل "اتفاق وقف النار".
إسرائيل تواصل خرق الاتفاق بشكل يومي، تنفذ غارات على المنازل وخيام النازحين، وترفض دخول المرحلة الثانية من الاتفاق إلا باستلام جميع المحتجزين الإسرائيليين، والمتبقي منهم واحد فقط لا تزال المقاومة تبحث عنه أسفل الركام الذي خلفته القصف الإسرائيلي نفسه.
النظام المصري، الوسيط المفترض والضامن للاتفاق، لا يتخذ أي إجراء فعلي لإجبار إسرائيل على احترام الاتفاق. لا يفتح معبر رفح بالكامل لإدخال المساعدات الكافية، لا يضغط على إسرائيل لوقف الانتهاكات، لا يدين الحصار المستمر. فقط بيانات خجولة لا تغير شيئًا على الأرض، بينما يستمر التجويع والقتل.
صمت مصري مخزٍ: وساطة وهمية وتواطؤ فعليّ
أكثر ما يفضح النظام المصري هو صمته المطبق على جرائم التجويع الممنهج. 10 دول غربية أصدرت بيانًا مشتركًا تحذر من الكارثة، الأمين العام للأمم المتحدة ندّد علنًا، منظمات دولية تصرخ، لكن مصر التي تدعي أنها "حامية الأمن القومي العربي" و"الوسيط في غزة" صامتة تمامًا.
معبر رفح، المنفذ الوحيد لغزة غير الخاضع للسيطرة الإسرائيلية المباشرة، مغلق منذ مايو 2024 بقرار مصري بحجة "الظروف الأمنية". النظام يمكنه فتحه بالكامل وإدخال آلاف الشاحنات يوميًا، لكنه يفضل إبقاءه مغلقًا أو شبه مغلق إرضاءً لإسرائيل وواشنطن.
حتى الـ100-300 شاحنة التي تدخل يوميًا، معظمها يمر عبر المعابر الإسرائيلية (كرم أبو سالم) حيث تخضع لتفتيش مذل وتأخير متعمد. مصر لا تستخدم معبر رفح لتعويض النقص، لا تضغط على إسرائيل لزيادة عدد الشاحنات، لا تهدد بوقف التنسيق الأمني أو إغلاق السفارة الإسرائيلية. فقط صمت وتواطؤ.
السيسي يعلم أن قطع الماء والكهرباء عن الأونروا ووقف عمل 37 منظمة إغاثة يعني كارثة إنسانية غير مسبوقة، لكنه لا يحرك ساكنًا. لأن موقفه من غزة ليس موقف دولة عربية تدافع عن شعب محاصر، بل موقف نظام يحافظ على علاقاته مع من يرتكب الإبادة.
تجويع غزة الممنهج عبر قطع الكهرباء والمياه عن الأونروا ووقف عمل المنظمات الإغاثية يحدث أمام أعين النظام المصري، والصمت المطبق هو تواطؤ صريح. مصر التي تملك معبر رفح وتدعي الوساطة، لا تفعل شيئًا حقيقيًا لوقف الجريمة. السيسي اختار الوقوف مع الجلاد ضد الضحية، والتاريخ لن يغفر له.

