لم تمرّ الانتخابات الداخلية لحركة المقاومة الإسلامية حماس في إقليم غزة بوصفها إجراءً تنظيميًا اعتياديًا، بل قُرئت على نطاق واسع باعتبارها رسالة سياسية وأمنية في توقيت شديد الحساسية: حركة تعيد ترتيب بيتها القيادي “من بين الركام”، وتؤكد أنها ما زالت تمتلك القدرة على الإدارة والتكيّف رغم الاغتيالات والضغط العسكري ومحاولات العزل السياسي.
وبحسب ما نقلته منصات فلسطينية، شملت العملية ترتيبات لمجلس الشورى والمكتب السياسي ورئاسة الإقليم وأطر عسكرية، وانتهت غالبية المواقع إلى التوافق والتزكية، في دلالة على تفضيل الاستقرار الداخلي وتفادي منافسة قد تتحول إلى انقسام في لحظة مواجهة مفتوحة.
انتخابات تحت الاستهداف: التوافق بدل الصراع
مصادر تحدثت لمنصة “الترا فلسطين” أفادت بأن الحركة استكملت انتخاباتها في غزة ضمن آلية ركّزت على “التزكية والتوافق”، حيث جرى انتخاب 18 عضوًا في المكتب السياسي، بينهم رئيس إقليم غزة ونائبه ورئيس مجلس الشورى. ويقرأ مراقبون هذا الخيار بوصفه محاولة لتقليل الاحتكاك الداخلي وإغلاق الباب أمام تنافس علني قد يُستثمر خارجيًا لتصوير الحركة ككيان مأزوم.
وتكتسب العملية بعدًا رمزيًا إضافيًا مع ما أُعلن عن استشهاد القيادي رائد سعد أثناء مشاركته في ترتيبات داخلية، وهو ما دفع بعض المعلقين للقول إن “العمل التنظيمي اختلط بالتضحية”، وإن الحركة تعاملت مع استهداف كوادرها عبر آليات تعويض مؤقتة للقيادات التي اغتيلت، إلى أن اكتملت إعادة توزيع المسؤوليات. ويعكس ذلك، بحسب هذه القراءة، تصورًا داخل الحركة بأن الانتخابات ليست ساحة “غلبة” بل أداة لضمان الاستمرارية وإدارة الخسائر البشرية والسياسية بأقل كلفة.
في المقابل، يرى منتقدون أن التزكية قد تُضعف مستوى المحاسبة الداخلية وتقلّل من الشفافية التنظيمية، خصوصًا في بيئة حرب تتزايد فيها الأسئلة حول الأداء الميداني والإدارة المدنية، لكنهم يقرّون بأن الحركة عادةً ما تفضّل “الاصطفاف” في لحظات التهديد الوجودي.
مشعل والحية: اختلاف تموضع لا اختلاف مشروع
على هامش الحدث، صعدت نقاشات تتناول ملامح التنافس أو توازنات النفوذ بين قيادات بارزة، وفي مقدمتها خالد مشعل وخليل الحية. الكاتب ماهر فرغلي نشر ما وصفه بـ“إشارة أمنية مصرية” تحصر المنافسة بين الرجلين، وتذهب إلى أن مشعل يميل إلى قطر وتركيا مع رؤية أقرب إلى تحويل الحركة إلى ما يشبه الحزب السياسي لتعزيز حضورها الدولي، بينما يُقدَّم الحية بوصفه أقرب إلى العسكريين ومحور إيران بما يعكس الارتباط بالبعد الميداني.
هذه القراءة تظل تقديرية وتعتمد على تسريبات وتحليلات أكثر من اعتمادها على معلومات معلنة من الحركة، إلا أنها تعكس سؤالًا أوسع: كيف ستوازن حماس بين متطلبات الشرعية السياسية الإقليمية والدولية وبين أولوية “المقاومة” كهوية ووظيفة؟
ضمن السياق نفسه، تداول ناشطون حديثًا عن مكالمة “مسرّبة” من حرب 2008 نُسبت إلى مشعل، قالوا إنها تُظهر ثباته على خطاب رفع الحصار ووقف العدوان، مع الإشارة إلى أن توقيت إعادة تداولها قبيل الانتخابات يحمل دلالة سياسية. ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من سياق هذه المواد المتداولة، لكن اللافت أن السجال لم ينتهِ إلى نقاش حول “ترك السلاح”، بقدر ما انصبّ على أسلوب إدارة العلاقات والتحالفات.
ويعزز هذا المعنى ما نُقل عن الداعية محمد الصغير من تأكيد مشعل أن سلاح المقاومة “حق مشروع” وأن السلام لا يقوم على الاستسلام، وهي صياغات يرى مؤيدون أنها تؤكد وحدة جوهرية داخل الحركة: اختلاف في الأسلوب لا في الثوابت.
المزاج الشعبي والميدان: ماذا تعني 2026؟
في البعد الشعبي، استشهد الصحفي سعيد زياد بنتائج استطلاع رأي نُشر في نوفمبر الماضي وذكر أن حماس تفوقت على فتح في غزة والضفة بنسب تأييد 41% في غزة و 32% في الضفة،
وأن الرضا عن حماس بلغ 60% مقابل 30% لفتح، مع 80% عدم رضا عن أداء محمود عباس، واعتبار 53% أن قرار عملية 7 أكتوبر كان صائبًا.
هذه الأرقام—مع صعوبة تدقيق منهجيتها من خلال منشور واحد—تُستخدم في النقاش العام للإشارة إلى أن الحرب لم تُنهِ حضور الحركة بل قد تكون أعادت تشكيله.
أما في البعد الأمني، نُقل عن الصحفي الإسرائيلي تسفي يحزكيلي حديث سابق مفاده أن حماس عادت إلى الشوارع عبر وحدات ميدانية لملاحقة المتعاونين، بما يعكس—وفق هذا الطرح—استعادة حضور تنظيمي في الداخل. مثل هذه التصريحات تبقى جزءًا من حرب السرديات، لكنها تُستحضر لتأكيد فكرة “العودة بعد الضربة” التي تريد الحركة تثبيتها سياسيًا.
وفي قراءة مستقبلية، قدّم محسن محمد صالح، مدير مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، تقديرًا مفاده أن عام 2026 سيشهد تصاعد محاولات الشطب والتشويه وتجفيف مصادر الدعم ونزع السلاح عبر ضغوط متعددة، لكنه رجّح أن التماسك التنظيمي والخبرة التاريخية والقاعدة الشعبية ورصيد التضحيات تمنح حماس فرصة لتجاوز المأزق وربما الخروج أكثر قوة، على نحو تكرر في محطات سابقة. ويربط صالح ذلك أيضًا ببيئة إقليمية ضاغطة على قوى محور المقاومة (إيران ولبنان واليمن والعراق)، مع احتمال أن تؤدي الضغوط إلى مزيد من الغضب الشعبي العربي بما يفتح مساحات تغيير غير متوقعة.

