طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من نحو 7 دول إرسال سفن حربية إلى منطقة الخليج لإبقاء مضيق هرمز "مفتوحًا وآمنًا"، بعد أن أغلقت إيران المضيق فعليًا أمام الناقلات والبواخر التجارية، محوّلةً تدفق النفط من 20 مليون برميل يوميًا إلى "قطرة"، وفق وصف وكالة الطاقة الدولية. وقد سمّى ترامب الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة بالاسم، معترفًا بأن واشنطن وحدها عاجزة عن إعادة فتح المضيق رغم ادعائه أن الولايات المتحدة "دمرت 100% من القدرة العسكرية الإيرانية".

 

لكن النداء قوبل بتردد دولي واسع لافت. فاليابان وأستراليا أعلنتا رفضهما بوضوح، وبريطانيا قالت إنها "تستشير الحلفاء حول طيف من الخيارات" دون التزام، بينما تحفّظت فرنسا. وردّت إيران على ذلك بلغة احتقار صريحة، إذ وصفت وزير خارجيتها عباس عراقجي طلب ترامب صراحةً بأنه "استجداء".

 

هرمز يُغلق والعالم يدفع الثمن

 

لم تنتظر إيران أن تُعلن انتصارًا في ميادين القتال لتفرض ضغطها الأقسى. فمنذ الأسبوع الأول من الحرب، بدأت قواتها البرية ووحداتها الجوية الصغيرة في الحرس الثوري تشنّ ضربات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على الناقلات التجارية في مضيق هرمز الذي يمتد على نحو 20 ميلًا في أضيق نقاطه. والنتيجة أن شركات الشحن والتأمين أوقفت العمليات قبل أن تُعلن طهران إغلاقًا رسميًا، فحُوّل المضيق إلى خطر فعلي بتكلفة أقل بكثير من أي مواجهة بحرية تقليدية.

 

ويقول غريغوري بروو، الباحث في شؤون إيران والطاقة بمجموعة يوراسيا: "نحن أمام أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ. أسعار الطاقة ستظل مرتفعة. الاستراتيجية الإيرانية في تطبيق الضغط على الولايات المتحدة ستستمر، وترامب سيواصل الشعور بهذا الضغط". وهذا التقدير مدعوم بأرقام مباشرة: النفط الأميركي تخطى حاجز 100 دولار للبرميل في 15 مارس، والأسواق الأوروبية لشهدت ارتفاعات في الغاز الطبيعي تجاوزت 20%.

 

البنية الاقتصادية للأزمة أعمق من أسعار النفط اليومية. فنحو 20% من الاستهلاك النفطي العالمي يمر عبر هرمز، أي نحو 20 مليون برميل يوميًا من أصل 100 مليون برميل تستهلكها الأرض، وأي تعطل مستدام في هذا الممر يضرب مباشرة التصنيع والغذاء والنقل والكهرباء في عشرات الدول في آنٍ واحد. وهذا ما يجعل نداء ترامب للحلفاء أشبه بإعلان ضمني بأن ما بدأه لم يكن مُخططًا له حتى النهاية.

 

تحالف تعثّر قبل أن يولد

 

ما يكشفه تردد الحلفاء أمر أكبر من مجرد خلاف تقني حول السفن. فهو يعكس ما وصفه سلمان شيخ، مؤسس مجموعة الشيخ والمسؤول الأممي السابق، بأن هذه "الحرب الخاطئة في الوقت الخاطئ وبلا تخطيط صحيح". وأضاف لقناة الجزيرة الإنجليزية مباشرة: "لن أرى تشكّل هذا التحالف الكبير، وهو مختلف تمامًا عن حروب الخليج الأولى والثانية. إيران تخوض معركة وجودية وقومية ولديها عتبة ألم أعلى بكثير، بينما الولايات المتحدة تقيس كل جندي تخسره". وخلص إلى أن الأولوية يجب أن تكون لإنهاء الحرب، لا لتجميع التحالفات.

 

وعلى الصعيد نفسه، أكد كريستيان بوغر، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كوبنهاغن، أن "التحالف البحري الذي يقوده ترامب لن ينجح، لأن إعادة فتح هرمز مستحيلة بغير ضمانات دبلوماسية من إيران نفسها". وأشار إلى أن إيران هي من تتحكم فعليًا في حسابات المخاطر داخل المضيق، وأن أي قوة بحرية أجنبية ستجد نفسها أمام تهديد مستمر بالطائرات المسيّرة والصواريخ الساحلية حتى مع وجود أسطول دولي كامل. وتعزز هذا الرأي تصريحات الحرس الثوري الإيراني الذي حذّر من استهداف "أي سفينة ترفع العلم الأميركي أو تنتمي إلى أي دولة توفر قواعد للضربات على إيران".

 

قرار بلا خطة لليوم التالي

 

الأخطر في الصورة الراهنة أن الاعتراف بعجز الاستراتيجية جاء من داخل واشنطن نفسها قبل أن يأتي من الخصوم. فوزارة الدفاع الأميركية اضطرت إلى نشر سفينة الاقتحام الأميركية USS Tripoli مع وحداتها من مشاة البحرية، في خطوة لم يُؤكد أي مسؤول غرضها الدقيق حين سُئل عنها. وكشف مقال في مجلة أتلانتيك أن الإدارة فشلت في وضع خطة للتعامل مع تداعيات إغلاق هرمز على الطاقة قبل بدء الضربات، وهو ما دفع مسؤولين داخل البنتاغون إلى الحديث عن غياب "التنسيق المؤسسي الكافي".

 

وتُفسر هيليما كروفت، كبيرة استراتيجيي السلع الأولية في RBC Capital Markets، هذا الفشل بأنه هيكلي لا ظرفي، قائلة: "لم نر قط الممر الأكثر أهمية في العالم يُغلق هكذا. الطريقة الوحيدة لإنهاء هذه الأزمة هي إيجاد سبيل لإعادة فتح هرمز واستعادة ثقة شركات الشحن بأن سفنها ستبقى سالمة". وأضافت أن إيران تمتلك مخزونات كافية من الطائرات المسيرة "شاهد" والصواريخ قصيرة المدى لمواصلة استهداف منشآت الطاقة وناقلات النفط الخليجية بصرف النظر عن حجم الضربات الأميركية.

 

في المحصلة، يُجسّد نداء ترامب لإرسال سفن الحلفاء إلى هرمز الفجوة بين حجم الحرب التي بدأها وقدرته على السيطرة على نتائجها. فالادعاء بأن واشنطن "دمرت 100% من القدرة العسكرية الإيرانية" لا يتسق مع الحاجة إلى استجداء 7 دول لفتح ممر مائي، ولا مع مضيق يبقى مغلقًا أمام التجارة العالمية في أسوأ اضطراب للطاقة في التاريخ. إيران خسرت كثيرًا في الجو وفقدت قائدها الأعلى، لكنها ربحت الامتحان الاستراتيجي الأصعب: إثبات أنها قادرة على مواصلة إيذاء الاقتصاد العالمي بتكلفة ضئيلة، وهو ما لم تكن واشنطن مستعدة له.