يواصل قطاع غزة نزيف الدم والمعاناة الإنسانية في مشهد مركّب تتداخل فيه آلة القتل الإسرائيلية مع الانهيار البيئي والبنيوي، وسط خروق متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، وتحذيرات محلية ودولية من كارثة صحية وإنسانية غير مسبوقة، تهدد حياة مئات آلاف المدنيين، غالبيتهم من النازحين الذين يعيشون في ظروف بالغة القسوة.

 

شهداء جدد وخروق ميدانية متصاعدة

 

استشهد ثلاثة فلسطينيين، اليوم الأحد، بنيران قوات الاحتلال الإسرائيلي في مناطق متفرقة من قطاع غزة، في استمرار واضح للخروق الميدانية لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ العاشر من أكتوبر الماضي.

 

وأفاد بعض الإعلام المحلي باستشهاد الشاب علاء الدين محمد زهير أصرف (15 عامًا) بعد إصابته برصاص قوات الاحتلال في منطقة جورت اللوت جنوبي مدينة خان يونس، في واحدة من الحوادث التي تعكس استهداف المدنيين، بمن فيهم الأطفال، رغم الحديث عن التهدئة.

 

وفي سياق متصل، أعلن اتحاد لجان الصيادين في غزة استشهاد الصياد عبد الرحمن عبد الهادي القن، وإصابة الصياد يامن خليل القن، جراء إطلاق نار مباشر من زوارق الاحتلال في منطقة فش فرش جنوب القطاع، في اعتداء متكرر على الصيادين الذين يواجهون مخاطر يومية أثناء محاولتهم تأمين لقمة العيش.

 

كما استشهد المواطن فادي نجيب صلاح متأثرًا بإصابته برصاص الاحتلال في منطقة مواصي خان يونس، التي تشهد اعتداءات متواصلة، رغم تصنيفها سابقًا كمناطق يُفترض أنها أكثر أمانًا للنازحين.

 

تصعيد عسكري فجري وغارات عنيفة

 

ومع ساعات فجر الأحد الأولى، صعّد الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على القطاع، حيث شنّ الطيران الحربي غارات عنيفة ومكثفة استهدفت مدينتي خان يونس وغزة، بالتزامن مع قصف مدفعي كثيف من الدبابات.

 

وتعرضت المناطق الشرقية لمدينة خان يونس لقصف جوي عنيف، ترافق مع إطلاق نار متواصل من الدبابات المتمركزة في محيط المدينة، حيث وصلت الرصاصات إلى خيام النازحين قرب مقابر النمساوي غربي خان يونس، ما أثار حالة من الذعر بين العائلات المشردة.

 

كما نفذ جيش الاحتلال عمليات نسف في المناطق الشرقية من خان يونس، في وقت واصلت فيه الدبابات قصفها المدفعي العنيف، بينما شنت الطائرات الحربية غارات على مدينة رفح جنوبي القطاع.

 

وفي المنطقة الوسطى، أطلقت الآليات الإسرائيلية النار شرقي مخيم البريج، فيما أغار الطيران الحربي على المناطق الشرقية من مدينة غزة، في مشهد يؤكد اتساع رقعة التصعيد رغم الحديث عن التهدئة.

 

وكان القطاع قد شهد، يوم أمس، استشهاد ثلاثة مواطنين، بينهم طفلتان، وإصابة 17 آخرين، جراء استهداف مناطق متفرقة، ما يرفع حصيلة الضحايا في ظل خروق متكررة لاتفاق وقف إطلاق النار.

 

تحذيرات بيئية: التلوث والركام يهددان حياة النازحين

 

إلى جانب القصف والقتل، تتفاقم في غزة أزمة بيئية وصحية خطيرة. فقد حذّر الخبير البيئي وأستاذ العلوم البيئية في الجامعة الإسلامية، عبد الفتاح عبد ربه، من التداعيات الكارثية للتلوث البيئي الناتج عن الحرب الإسرائيلية المستمرة، وانتشار الركام والنفايات ومياه الصرف الصحي.

 

وأكد عبد ربه أن هذه الظروف تشكّل تهديدًا مباشرًا لصحة مئات آلاف النازحين، في ظل غياب الحد الأدنى من مقومات الحياة، مشيرًا إلى أن التلوث المتفاقم يؤدي إلى انتشار الأمراض المعدية وغير المعدية، وتكاثر الحشرات والقوارض، خصوصًا في مناطق النزوح المكتظة.

 

وأوضح أن الروائح الكريهة المنبعثة من النفايات ومياه الصرف الصحي جعلت الحياة اليومية شديدة القسوة، محذرًا من انتشار البعوض والذباب والعقارب والثعابين بين الركام، في بيئة وصفها بـ”المسامية” الناتجة عن الدمار الواسع.

 

وفي ما يتعلق بمرض الليبتوسبيروزيس، أوضح عبد ربه أنه مرض بكتيري معدٍ ينتقل عبر المياه أو التربة الملوثة ببول الحيوانات المصابة، لا سيما القوارض والكلاب الضالة، وهي ظواهر باتت منتشرة بكثافة في مناطق النزوح. ورغم تأكيد وزارة الصحة عدم تسجيل أي حالة مؤكدة حتى الآن، إلا أن الخطر لا يزال قائمًا.

 

بلدية غزة: المدينة مهددة بالغرق

 

من جهتها، حذّرت بلدية غزة من تداعيات المنخفضات الجوية المتواصلة، مؤكدة أن المدينة تتحول مع كل منخفض جوي إلى حالة طوارئ إنسانية، بسبب الدمار الواسع في البنية التحتية.

 

وأوضحت البلدية أن آلاف النازحين يعيشون في خيام مهترئة لا تقوى على مواجهة الأمطار والرياح، فيما تسكن عائلات نازحة في مبانٍ آيلة للسقوط. وأشارت إلى أن طواقمها تعمل بإمكانيات لا تتجاوز 15%، بعد تدمير 135 آلية، وتضرر 80% من منظومة تصريف المياه.

 

وبحسب البلدية، تم تدمير 212 ألف متر من شبكات الصرف الصحي، و8 مضخات رئيسية بالكامل، فيما بلغت نسبة الدمار في البنية التحتية نحو 85%، شملت 830 كيلومترًا من الطرق.

 

تقرير بريطاني: خيام النازحين لا تفي بالمعايير الدولية

 

في السياق ذاته، كشفت صحيفة الغارديان البريطانية، في تقرير موسّع، أن خيام الإغاثة المقدمة للنازحين في غزة غير مطابقة للمعايير الدولية، ولا توفر سوى حماية محدودة من الأمطار والرياح.

 

وأشار التقرير إلى أن عواصف شديدة ضربت القطاع خلال الأسابيع الماضية، أدت إلى تلف وانهيار وتطاير آلاف الخيام، ما أثر بشكل مباشر على نحو ربع مليون نازح. وخلص تقييم أجراه مركز “عنقود المأوى في فلسطين” إلى أن الخيام المصرية والسعودية والصينية تعاني من رداءة الخامات وضعف الهياكل، في حين كانت الخيام القطرية وتلك المقدمة من الأمم المتحدة مطابقة للحد الأدنى من المعايير.

 

وأثار التقرير تساؤلات حول جودة المساعدات، خاصة في ظل القيود الإسرائيلية على إدخال مواد البناء والمعدات الثقيلة، واستمرار حظر عمل عشرات المنظمات الدولية.

 

إبادة مستمرة وكارثة مفتوحة

 

ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تواصل دولة الاحتلال، بدعم أميركي وأوروبي وصمت عربي، حرب إبادة جماعية في قطاع غزة، أسفرت عن أكثر من 239 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى أكثر من 11 ألف مفقود، ومئات آلاف النازحين، ودمار شامل طال معظم مدن القطاع.

 

وفي ظل استمرار القصف، وتدهور الأوضاع البيئية، وغياب الحلول الإنسانية الجذرية، تبدو غزة اليوم محاصرة بثلاثية قاتلة: الرصاص، والمطر، والتلوث، فيما تتزايد التحذيرات من أن الكارثة مرشحة لمزيد من التفاقم ما لم يتوقف العدوان، وتُفتح المعابر، وتُرفع القيود عن العمل الإنساني فورًا.