تنتهي اليوم الانتخابات البرلمانية التي انطلقت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، مع إسدال الستار على اليوم الثاني من جولة الإعادة للدوائر المُلغاة في المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب، تنفيذًا لأحكام البطلان الصادرة عن المحكمة الإدارية العليا.

 

غير أن النهاية لم تحمل جديدًا، بل جاءت نسخة مكررة من بداية مشوهة، عنوانها شراء الأصوات، وحشد الناخبين قسرًا، وإقبال شعبي محدود يعكس حجم الفجوة بين السلطة والشارع. انتخابات أُعيدت بعد إلغاء 68.5% من دوائر مرحلتها الأولى، لتؤكد مجددًا أن الأزمة ليست في التفاصيل، بل في منظومة انتخابية تُدار بالمال والنفوذ، لا بإرادة الناخبين.

 

بطلان قضائي واسع.. وشرعية على المحك

 

جولة الإعادة شملت 27 دائرة انتخابية موزعة على 10 محافظات، يتنافس فيها 98 مرشحًا على 49 مقعدًا، بعد أن أبطلت المحكمة الإدارية العليا نتائج 30 دائرة كاملة من المرحلة الأولى. هذا الإلغاء الواسع، الذي طال أكثر من ثلثي الدوائر، لم يكن بسبب أخطاء إجرائية بسيطة، بل نتيجة خروقات جسيمة اعترفت بها قرارات قضائية ورصدتها الهيئة الوطنية للانتخابات نفسها، شملت شراء الأصوات، وتوجيه الناخبين، وعدم إرسال محاضر فرز من بعض اللجان.

 

ورغم هذه الوقائع، مضت الدولة قدمًا في استكمال العملية الانتخابية، دون مراجعة حقيقية لأسباب الفشل أو محاسبة المتورطين، مكتفية بإعادة التصويت في الدوائر الملغاة بالآليات ذاتها. النتيجة كانت متوقعة: إقبال محدود، وغياب شبه كامل للمشاركة الطوعية، مقابل حضور كثيف لوسائل الحشد المنظم. وهكذا، بدت الانتخابات كإجراء شكلي لتسكين أزمة شرعية، لا استحقاقًا ديمقراطيًا يعبر عن تمثيل حقيقي.

 

بولاق الدكرور: معركة الميكروباصات والبطاقات

 

في دائرة بولاق الدكرور، تواصل حشد الناخبين لليوم الثاني على التوالي في جولة الإعادة، حيث يتنافس حسام المندوه، مرشح حزب مستقبل وطن، وعربي زيادة، مرشح حزب حماة الوطن، على مقعد وحيد متبقٍ بعد حسم مقعدين في الجولة الأولى.

 

مدرسة الشيخة جواهر، التي تضم 16 لجنة انتخابية، شهدت إقبالًا محدودًا في الساعات الأولى، قبل أن يرتفع نسبيًا مع وصول ميكروباصات تحمل أوراقًا مكتوبًا عليها “باص خارجي.. اليوم الثاني”، في إشارة واضحة إلى الحشد المنظم. خلف الوحدة الصحية بزنين، تجمع عشرات المواطنين حول طاولات يدون عندها سماسرة الحملات أسماءهم وأرقامهم القومية، ويسلمونهم بطاقات بلاستيكية مدون عليها بيانات لجانهم وأرقامهم في كشوف الناخبين.

 

داخل مقهى مقابل للمدرسة، تكرر المشهد ببطاقات ملونة تحمل الرقم والشعار الانتخابي لمرشح آخر. المشهد لم يخفِ طبيعته: تسجيل بيانات خارج اللجان، وتوجيه مباشر للناخبين، في مخالفة صريحة للقانون. وعلى مقربة، علقت لافتات دعم من نواب سابقين لصالح أحد المرشحين، في محاولة لتثبيت معادلة النفوذ. ورغم منع دخول مندوبي المرشحين إلى داخل اللجان، بقي التوجيه والحشد مستمرين في محيطها، ما حوّل العملية إلى سباق تعبئة لا علاقة له بالاختيار الحر.

 

العمرانية والطالبية: اشتباكات وسعر الصوت

 

في دائرتي العمرانية والطالبية، اللتين تُجرى فيهما الانتخابات للمرة الثالثة بعد إبطالهما قضائيًا، تصاعد التوتر إلى اشتباكات بين أنصار المرشحين. أمام مدرسة الصديق الابتدائية بالعمرانية، اندلعت مشاجرة بين أنصار مرشح حزب حماة وطن محمود لملوم، وأنصار المرشح المستقل جرجس لاوندي، بسبب التنازع على نقطة حشد للناخبين.

 

شهود عيان أكدوا أن المشاجرة جاءت على خلفية اعتراض أحد الأطراف على حشد الناخبين وشحنهم بسيارات أجرة للتصويت مقابل المال، وهو ما أسفر عن إصابة أحد الأشخاص، وسط غياب أمني كامل. أحد أصحاب المحال التجارية في المنطقة لخّص المشهد بقوله: “كله بيوزع فلوس… والصوت وصل لـ300 جنيه”.

 

ولليوم الثاني، استمرت حركة سيارات الأجرة المحملة بالناخبين بين مدارس أحمد عرابي ومصطفى كامل وأم المؤمنين، وسط انتشار نقاط حشد في شوارع رئيسية، بعضها تابع لجمعيات خيرية، تُستخدم كغطاء لشراء الأصوات. ورغم اعتراف الهيئة الوطنية للانتخابات بتلقي شكاوى حول شراء الأصوات في هذه الدوائر، اكتفت بإجراءات تنظيمية، دون إيقاف العملية أو محاسبة المسؤولين.

 

وفي النهاية وبانتهاء هذه الجولة، تُغلق صفحة انتخابات لم تنجح في إقناع الشارع بجدواها، بل عمّقت أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسة السياسية. انتخابات أُلغيت غالبية دوائرها بحكم القضاء، ثم أُعيدت بالأساليب نفسها، لا يمكن أن تنتج برلمانًا معبرًا عن الإرادة الشعبية. ما جرى يؤكد أن المشكلة ليست في وعي الناخب، بل في منظومة تُصر على إدارة السياسة بمنطق المال والحشد، لتخرج في النهاية ببرلمان شكلي، يفتقر إلى التفويض، ويعكس واقعًا سياسيًا مأزومًا أكثر مما يعكس صوت الناس.