وسّعت الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران، السبت 28 فبراير 2026، دائرة الاشتعال في الشرق الأوسط، وأعادت إلى الواجهة خريطة القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة من قطر إلى الكويت مرورًا بالسعودية والإمارات والعراق والأردن والبحرين. شبكة قواعد متقدمة تحيط بإيران جغرافيًا، وتتحول اليوم إلى نقاط تماس مباشرة في أي تصعيد مفتوح.
المواجهة لم تعد نظرية. صواريخ ومسيّرات تحلّق في أجواء الخليج. قواعد تُرفع جاهزيتها. وأعداد الجنود الأميركيين في المنطقة تتجاوز عشرات الآلاف، ضمن منظومة قيادة واحدة هي «القيادة المركزية الأميركية» التي تدير عمليات تمتد من مصر غربًا إلى كازاخستان شرقًا.
اللواء سمير فرج، الخبير العسكري، يقول إن «الانتشار الأميركي الكثيف حول إيران ليس جديدًا، لكنه الآن يتحول من مظلة ردع إلى أهداف محتملة. أي ضربة متبادلة قد تشعل أكثر من ساحة في وقت واحد».
قاعدة العديد… غرفة العمليات الكبرى
تشكل قاعدة العديد الجوية في قطر مركزًا متقدمًا للقيادة المركزية الأميركية. القاعدة، الواقعة خارج الدوحة، تضم نحو 10 آلاف جندي، وتمتد على مساحة 24 هكتارًا. ومنها تُدار عمليات عسكرية واسعة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
في يناير الماضي، أعلنت القيادة المركزية فتح خلية تنسيق جديدة في العديد لتعزيز الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل بالتعاون مع شركاء إقليميين. الهدف المعلن هو تحسين تنسيق المسؤوليات وتقاسم أعباء الدفاع الجوي في المنطقة.
هذا التطوير يعكس إدراكًا مبكرًا لاحتمال تصاعد التهديدات الصاروخية. اليوم، مع تجدد المواجهة، تصبح العديد مركز ثقل استراتيجيًا. أي استهداف لها سيعني ضرب منظومة القيادة الأميركية في قلبها الإقليمي.
الدكتور أيمن سلامة، أستاذ القانون الدولي، يرى أن «وجود قواعد أجنبية ضخمة يجعل أراضي الدول المضيفة جزءًا من معادلة الردع. قانونيًا، تصبح هذه القواعد أهدافًا عسكرية إذا انخرطت في عمليات هجومية».
الإمارات… الظفرة وجبل علي
قاعدة الظفرة الجوية جنوب أبوظبي تمثل مركزًا مهمًا للقوات الجوية الأميركية. دعمت عمليات ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، وانتشار مهام استطلاع إقليمي. القاعدة مشتركة مع القوات الجوية الإماراتية، ما يعكس عمق التنسيق العسكري.
ميناء جبل علي في دبي، رغم كونه ميناءً مدنيًا، يُعد أكبر ميناء تستضيفه البحرية الأميركية في الشرق الأوسط. حاملات طائرات وسفن حربية ترسو فيه بانتظام، ما يجعله نقطة إسناد لوجستي رئيسية.
هذا التداخل بين المدني والعسكري يزيد من حساسية الوضع. أي تصعيد بحري في الخليج قد يطال موانئ حيوية للتجارة العالمية.
الدكتور مصطفى بدرة، الخبير في الاقتصاد السياسي، يؤكد أن «تعطيل موانئ مثل جبل علي يعني ضغطًا مباشرًا على سلاسل الإمداد. الخليج ليس مجرد ساحة عسكرية، بل شريان تجارة عالمي».
العراق والسعودية والأردن… طوق متعدد الطبقات
في العراق، تحتفظ واشنطن بوجود عسكري في قاعدة عين الأسد بمحافظة الأنبار. البيت الأبيض يقول إن الهدف دعم قوات الأمن العراقية ومهمة الناتو. لكن القاعدة كانت هدفًا لصواريخ إيرانية عام 2020 بعد اغتيال قاسم سليماني.
قاعدة أربيل الجوية في إقليم كردستان تمثل مركزًا لتدريب وتبادل معلومات استخباراتية، وفق تقرير مكتبة الكونغرس لعام 2024. وتوفر موقعًا آمنًا للتنسيق اللوجستي في شمال العراق.
في السعودية، يعمل 2321 جنديًا أميركيًا وفق بيانات 2024. قاعدة الأمير سلطان الجوية، على بعد نحو 60 كيلومترًا جنوب الرياض، تستضيف بطاريات «باتريوت» ومنظومة «ثاد» للدفاع الصاروخي. وجود دفاعات متقدمة يعكس تقديرًا لتهديد صاروخي محتمل.
في الأردن، تستضيف قاعدة موفق السلطي الجوية في الأزرق الجناح الجوي الاستكشافي 332 التابع للقوات الجوية الأميركية. القاعدة تدعم مهامًا في الشام، وتشكل منصة انطلاق عملياتية قريبة من سوريا والعراق.
أما في البحرين، فيقع مقر قيادة الأسطول الخامس الأميركي. نطاق مسؤوليته يشمل الخليج والبحر الأحمر وبحر العرب وأجزاء من المحيط الهندي. أي تهديد بحري في مضيق هرمز أو باب المندب يمر عبر هذه القيادة.
الكويت تضم معسكر عريفجان، المقر المتقدم للقيادة المركزية للجيش الأميركي، وقاعدة علي السالم الجوية المعروفة باسم «الصخرة» لقسوة بيئتها. معسكر بيورنج، الذي تأسس خلال حرب 2003، يمثل مركز انطلاق لوحدات تنتشر في العراق وسوريا.
اللواء سمير فرج يحذر من أن «هذا الانتشار المتعدد الطبقات يمنح واشنطن مرونة عملياتية، لكنه في الوقت نفسه يخلق عشرات النقاط الحساسة. أي تصعيد شامل قد يفتح جبهات متزامنة من الخليج إلى شرق المتوسط».
حتى 1 مارس 2026، لم تتحول هذه القواعد إلى ساحات اشتباك مباشر واسع، لكنها أصبحت ضمن معادلة النار. صواريخ إيران تقترب، وطائرات أميركية في السماء، ومنظومات دفاع تعمل بأقصى جاهزية.
الخريطة واضحة: طوق عسكري أميركي واسع يحيط بإيران. والسؤال لم يعد عن وجود القواعد، بل عن قدرتها على البقاء خارج دائرة الاستهداف إذا استمرت الحرب في التصاعد.

