شكّل العام 2025 منعطفًا خطيرًا بالنسبة للمسجد الأقصى المبارك، الذي احتل النصيب الأكبر من اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي و"جماعات الهيكل" المتطرفة، وسط خطوات متسارعة لتغيير الواقع الديني والتاريخي القائم فيه، وفرض وقائع تهويدية جديدة.

 

وكان المسجد الأقصى في قلب العاصفة، بما شهده من زيادة غير مسبوقة في وتيرة اقتحامات المستوطنين وأداء كامل لطقوسهم وصلواتهم التلمودية في باحاته، فضلًا عن تصاعد الإجراءات التهويدية بحقه، بالإضافة إلى استمرار الحفريات والأنفاق أسفل المسجد وفي محيطه.

 

خطوات تدريجية

 

والعام 2025 يُعد من أقسى وأخطر السنوات على المسجد الأقصى، نظرًا لتغيير السياسة الإسرائيلية ووجود غلاة المتطرفين و"جماعات الهيكل" داخل حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة. وفق ما يقول الباحث المختص في شؤون القدس فخري أبو دياب.

 

ويوضح أبو دياب أن ما ميّز العام الماضي، زيادة الاستفزازات والاقتحامات وأداء الطقوس التلمودية الجماعية و"السجود الملحمي"، ورفع علم الاحتلال، ومحاولات تقديم "قرابين حيوانية" داخل المسجد الأقصى، وفقًا لوكالة "صفا".

 

ودفّع الاحتلال وما يزال في مخطط التقسيم الزماني والمكاني للأقصى، عبر خطوات تدريجية محسوبة ومدعومة بشكل كامل من حكومة الاحتلال، وبدعم من الإدارة الأمريكية.

 

ويبين أن أعداد المستوطنين المقتحمين للمسجد الأقصى ازدادت بحوالي 25% عن العام 2024، فضلًا عن انتهاك حرمته وتدنيس باحاته بشكل كبير وملموس.

 

وخلال العام 2025، اقتحم المسجد الأقصى 70,500 مستوطن متطرف، بينهم وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف ايتمار بن غفير وزراء آخرون، وأعضاء كنيست.

 

ويضيف أبو دياب أن "الحكومة اليمينية المتطرفة وشرطة الاحتلال أصبحوا يعتبرون ساحات الأقصى ليست مسجدًا، بل (معبد)، بحيث يُسمح للمستوطنين بممارسة كل الطقوس التلمودية داخل الأقصى، بغية إزالة القدسية الإسلامية بشكل كامل عنه".

 

وشهد العام الماضي، إعلان المتطرف بن غفير عزمه إقامة كنيس يهودي في المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى، على اعتبار أن هذه المنطقة ليست تابعة للمسجد المبارك.

 

تغيير الأقصى

 

وحسب أبو دياب، فإن الاحتلال بدأ العام الماضي بتنفيذ مخطط تغيير الوضع القائم بالأقصى، من خلال انخراط كامل للحكومة المتطرفة في الإجراءات التدريجية لتهويده كاملًا، مستغلة تراجع الدعم العربي والإسلامي للمسجد، والصمت إزاء ما يجري بداخله.

 

وعلى صعيد قرارات الإبعاد، واصلت سلطات الاحتلال خلال العام الماضي، سياسة إبعاد المقدسيين عن المسجد الأقصى، عبر أوامر عسكرية واعتقالات واستدعاءات متكررة، بهدف تفريغ المسجد من رواده وحرمانهم من حقهم في العبادة والصلاة.

 

ويشير الباحث المقدسي إلى أن هذه الإجراءات استهدفت حراس الأقصى والمرابطين والشباب والنساء على حدّ سواء، في محاولة لقطع الرابط بينهم وبين المسجد، وتقليص الوجود الفلسطيني فيه، وتهيئة الظروف لفرض وقائع جديدة تخدم مخططات السيطرة والتهويد.

 

وخلال العام الماضي، أبعدت سلطات الاحتلال 164 مقدسيًا عن المسجد الأقصى، و49 آخرين عن القدس.

 

ولم تتوقف الإجراءات الاحتلالية عند ذلك، بل وضعت شرطة الاحتلال المزيد من كاميرات المراقبة المتطورة في الأقصى ومحيطه، بهدف التعرف على وجوه الأشخاص، لأجل ملاحقتهم واعتقالهم.

 

الحفريات والأنفاق

 

ويؤكد أبو دياب أن حكومة الاحتلال تسعى لتنفيذ أكبر المشاريع التهويدية في محيط المسجد الأقصى، لمحاصرته وتشويه المعالم، التي تدلل على هوية القدس العربية والإسلامية، ولتغيير التاريخ ومحو آثارها وطمسها، وتهديد المسجد بالحفريات وزعزعة أساساته.

 

ويوضح أن الحفريات الإسرائيلية أسفل الأقصى وفي محيطه ازدادت خلال العام الماضي، فهناك أكثر من 10 مخططات ما زال العمل فيها مستمرًا، تشمل شق أنفاق وحفريات وإقامة كنس يهودية في محيطه.

 

ومن أبرز المشاريع التي جرى تنفيذها خلال 2025، حفر جمعية "إلعاد" الاستيطانية نفقين من منطقة مجمع عين سلوان التاريخي جنوبي الأقصى باتجاه باب المغاربة وساحة البراق, ونفق آخر ما زال العمل به من منطقة عين العذراء جنوب شرقي المسجد، باتجاه القصور الأموية الملاصقة للسور الجنوبي للمسجد.

 

وتسبّبت الحفريات في هذه المنطقة بتشقق وتصدع 23 منزلًا، وسقوط بعض البلاط بالقرب من باب الحديد، أحد أبواب الأقصى، وتشققات في بعض المنازل والمحال التجارية في شارع السلسلة قرب الأقصى.

 

وحسب الباحث المقدسي، فإن ما تسمى "سلطة الآثار" الإسرائيلية والجمعيات الاستيطانية ما زالت تُجري حفريات قرب القصور الأموية الملاصقة للسور الجنوبي للأقصى، مما يؤثر سلبًا وبشكل خطير على أساسات السور، ويتسبب بتحطيم الحجارة الكبيرة والتاريخية للقصور الأموية، وتغيير معالمها.

 

وتنوي الجمعيات الاستيطانية و"سلطة الآثار"، وفقٕا لأبو دياب، إنهاء مخطط مرافق "الهيكل" في منطقة القصور الأموية، كخطوة في مخطط إقامة "الهيكل" المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى.

 

عام الحسم

 

ويتوقع المختص في شؤون القدس أن يشهد العام 2026 الجاري، مزيدًا من الانتهاكات والاقتحامات للأقصى، خاصة أن الجماعات المتطرفة ستستغل الانتخابات الإسرائيلية هذا العام لكسب مزيد من أصوات اليمين المتطرف على حساب الأقصى.

 

ويضيف "من المتوقع أن نشهد تضاعفًا في فرض القيود الاحتلالية على المصلين الوافدين للأقصى، وربما تنفيذ مخطط التقسيم المكاني للمسجد، وزيادة ساعات الاقتحامات وفتحه أمام المستوطنين طيلة أيام الأسبوع".

 

ويتابع "هذا العام سيكون حاسمًا بالنسبة للأقصى، وقد نشهد تغييرٕا كاملًا في الوضع التاريخي والديني والقانوني القائم فيه، وأيضًا تخصيص مكانًا لليهود داخل المسجد لأداء طقوسهم، بعد ساعات من إغلاق باب المغاربة".