في اليوم السابع والثمانين لاستمرار خروقات اتفاق وقف إطلاق النار، يواصل الاحتلال الإسرائيلي عدوانه المركّب على قطاع غزة، عدوان لا يقتصر على القصف والنسف وإطلاق النار، بل يمتد ليشمل تشديد الحصار، خنق الاقتصاد، وتفكيك ما تبقّى من المنظومة الصحية، في مشهد تتداخل فيه السياسة العسكرية مع الكارثة الإنسانية اليومية.

 

تصعيد ميداني متواصل رغم وقف إطلاق النار

 

شهدت الساعات الأربع والعشرون الماضية تصعيدًا جديدًا في وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية، أسفر عن استشهاد ثلاثة مواطنين جنوبي قطاع غزة، بينهم صياد، إضافة إلى إصابة 16 آخرين بجروح متفاوتة، بحسب ما أفادت به مصادر طبية.

 

وفي جنوب القطاع، واصلت قوات الاحتلال عمليات النسف المنهجي للمباني السكنية شرقي مدينة خان يونس، بالتزامن مع قصف مدفعي مكثف استهدف المناطق الشرقية من خان يونس ورفح. كما أطلقت آليات الاحتلال النار بكثافة باتجاه خيام النازحين في منطقة المواصي غرب رفح، في خرق صارخ لبنود وقف إطلاق النار، الذي يفترض أن يوفّر حماية للمدنيين ومناطق النزوح.

 

ولم تتوقف الاعتداءات الجوية، إذ شنّت طائرات الاحتلال ثلاث غارات متفرقة على مدينة رفح خلال ساعات قليلة، ما زاد من حالة الرعب وعدم الاستقرار بين السكان، خصوصًا في ظل الاكتظاظ الكبير للنازحين.

 

غزة تحت القصف شمالًا ووسطًا

 

وفي مدينة غزة، أُصيب طفل جراء قصف إسرائيلي استهدف حي الزيتون جنوب شرقي المدينة، بالتزامن مع قصف مدفعي وإطلاق نار كثيف على المناطق الشرقية، حيث نفّذت قوات الاحتلال أيضًا عمليات نسف جديدة.

 

وامتدت الاعتداءات إلى وسط القطاع، حيث أطلقت آليات الاحتلال النار شرقي مخيم البريج، فيما استهدفت الزوارق الحربية الإسرائيلية سواحل مخيم النصيرات بإطلاق نار كثيف، في استمرار لسياسة استنزاف المدنيين وحرمانهم من أي شعور بالأمان، حتى في مناطق الصيد والسكن الساحلية.

 

أرقام ثقيلة لحصيلة الدم

 

وأفادت وزارة الصحة في غزة بوصول ثلاثة شهداء جدد و16 مصابًا إلى مستشفيات القطاع خلال الساعات الـ24 الماضية، لترتفع حصيلة الشهداء منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر 2025 إلى 420 شهيدًا و1184 مصابًا، إضافة إلى انتشال 684 جثمانًا من تحت الأنقاض.

 

وبذلك، ترتفع الحصيلة الإجمالية للعدوان الإسرائيلي على القطاع منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى 71,386 شهيدًا و171,264 مصابًا، في واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ الحديث للمنطقة.

 

حصار اقتصادي خانق ومعابر شبه مغلقة

 

بالتوازي مع التصعيد العسكري، يفرض الاحتلال قيودًا مشددة على الحركة التجارية ومعابر قطاع غزة، ما يفاقم الأزمة الإنسانية والمعيشية. وأكد مدير العلاقات العامة والإعلام في الغرفة التجارية الصناعية الزراعية بمحافظة غزة، خليل عطا الله، أن الرصد اليومي يبيّن تذبذبًا حادًا في دخول الشاحنات، وانعكاس ذلك مباشرة على توفر السلع واستقرار الأسعار.

 

وأوضح أن يوم الأحد شهد إغلاقًا كاملًا لمعبرَي كرم أبو سالم وكوسوفيم، مع الإبقاء على منفذ واحد فقط سمح بدخول 183 شاحنة، وهو رقم ضئيل للغاية مقارنة بالاتفاق الذي ينص على دخول 600 شاحنة يوميًا منذ بدء وقف إطلاق النار.

 

وأشار عطا الله إلى أن 81% من الشاحنات الداخلة كانت مساعدات إنسانية بواقع 149 شاحنة، فيما لم يتجاوز عدد الشاحنات التجارية التابعة للقطاع الخاص 34 شاحنة فقط، ما أدى إلى نقص حاد في السلع الأساسية وارتفاع أسعارها بنسبة وصلت إلى 136% مقارنة بما قبل السابع من أكتوبر.

 

بطالة قياسية وقدرة شرائية منهارة

 

ويعيش سكان القطاع أوضاعًا معيشية غير مسبوقة، مع تجاوز نسبة البطالة 80%، واستنزاف المدخرات والممتلكات خلال عامين من العدوان والحصار. ورغم الانخفاض النسبي للأسعار مقارنة بذروة الأزمة، إلا أنها لا تزال بعيدة عن متناول الغالبية العظمى من المواطنين، الذين باتوا يشاهدون السلع في الأسواق دون القدرة على شرائها.

 

كما حذّر عطا الله من أزمة سيولة نقدية خانقة، في ظل تداول عملات ورقية تالفة وفرض عمولات مرتفعة للحصول على النقد وصلت إلى 15%، ما يشكّل تهديدًا مباشرًا للحركة التجارية المحدودة أصلًا.

 

أطفال على حافة الموت: المرض والحصار وجهان لمأساة واحدة

 

في قلب هذه الكارثة، تتجسد المأساة الإنسانية بأقسى صورها في قصص الأطفال المرضى، الذين يدفعون ثمن إغلاق المعابر ونقص الدواء. بين سرير عناية مركزة وخيمة نزوح، تتقاطع حكايتا الرضيعين عمر أبو يوسف وميس معمر، كنموذج لآلاف الأطفال المحاصرين بالمرض والعجز الطبي.

 

عمر أبو يوسف.. معركة منذ الولادة

 

يرقد الرضيع عمر أبو يوسف (9 أشهر) في أحد مستشفيات القطاع، وهو يعاني حالة صحية معقدة منذ ولادته، تمثلت في انسداد معوي خلقي استدعى إجراء فتحة جراحية (مفاغِرة) لإنقاذ حياته. غير أن الفحوصات كشفت لاحقًا عن غياب الخلايا العصبية في فتحة الشرج، ما جعل حالته أكثر تعقيدًا وخطورة.

 

وبسبب نقص الإمكانيات الطبية، عجز الأطباء عن استكمال الفحوصات الدقيقة أو التدخل الجراحي اللازم، في وقت بدأت تظهر مضاعفات خطيرة هددت وظائف كليتيه، وسط تحذيرات من أن أي تأخير إضافي قد يكون قاتلًا. ورغم حاجته الماسة لتحويلة علاجية عاجلة خارج القطاع، لا يزال عمر رهينة إغلاق المعابر.

 

ميس معمر.. الجوع والمرض في حضن العناية المركزة

 

وفي مستشفى ناصر بخان يونس، تخوض الرضيعة ميس معمر (6 أشهر) معركتها الخاصة. وُلدت بوزن 1.4 كيلوغرام فقط، نتيجة سوء تغذية أصاب والدتها خلال الحمل. وتعاني ميس متلازمة داون، وسوء تغذية حاد، وثقبًا في القلب، وتشوهًا خلقيًا في الكلى.

 

يؤكد والدها أن حالتها تتدهور يومًا بعد يوم في ظل نفاد الأدوية والمستلزمات الطبية، مشيرًا إلى أن “الناس في غزة يموتون فعليًا بسبب نقص الدواء”، في توصيف يلخّص واقع المنظومة الصحية المنهكة.

 

منظومة صحية على وشك الانهيار

 

وتحذّر وزارة الصحة في غزة من نقص حاد في أكثر من نصف أصناف الأدوية ونحو 70% من المستلزمات الطبية، ما أجبر المستشفيات على حصر خدماتها بحالات إنقاذ الحياة فقط. ويؤكد أطباء أن مئات المرضى، خصوصًا الأطفال، يحملون تحويلات طبية عاجلة لا قيمة لها في ظل إغلاق المعابر.

 

ووفق معطيات منظمة الصحة العالمية، توفي 1092 مريضًا أثناء انتظار الإجلاء الطبي بين يوليو 2024 ونوفمبر 2025، وسط ترجيحات بأن العدد الفعلي أكبر بكثير.

 

انتظار قاتل بلا أفق

 

بين القصف المتواصل، والحصار الاقتصادي، وانهيار النظام الصحي، يعيش قطاع غزة حالة انتظار قاتل، حيث تتحول أبسط الحقوق، كالعلاج والغذاء والحياة الآمنة، إلى مطالب مؤجلة. وبين عمر الذي ينتظر عملية قد تنقذ حياته، وميس التي تصارع المرض والجوع، تتجسد صورة جيل كامل يُترك لمواجهة الموت، بينما يبقى فتح المعابر شرطًا للحياة، لا بندًا قابلًا للتأجيل.