في اليوم الأخير من جولة الإعادة لانتخابات مجلس النواب 2025، خرجت الهيئة الوطنية للانتخابات بخطاب مُحكم عن “الانتظام والانضباط”، وفتحت أبواب اللجان أمام وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني.
لكن منتقدين يرون أن هذا “الانفتاح” لا يعكس تحولًا ديمقراطيًا بقدر ما يكشف عن احتياج سياسي مُلحّ: حكومة الانقلاب تريد صورة ختامية نظيفة تُغلق بها موسمًا انتخابيًا مُثقلًا بالشكوك والطعون، لا سيما بعد إلغاء نتائج 30 دائرة بأحكام قضائية.
هنا تحديدًا يصبح اليوم الأخير معركة على المعنى: هل نحن أمام انتخابات تنافسية، أم أمام إدارة علاقات عامة متأخرة تُستخدم لطلاء مسار مأزوم بلمعة مؤقتة؟
انفتاح إعلامي… لتثبيت الرواية لا لكشف الحقيقة
خلال المؤتمر الصحفي، شدد المستشار أحمد بنداري على تمكين وسائل الإعلام من متابعة التصويت والفرز بعد غلق اللجان، باعتباره تأكيدًا على الشفافية.
غير أن القراءة الأكثر حدة ترى أن هذا السماح—في لحظة الختام تحديدًا—هو محاولة لتصميم “صورة رسمية” جاهزة للاستهلاك: كاميرات تدخل، ولقطات تُبث، ورسائل تُكرر، ثم يُقال لاحقًا إن كل شيء تم “تحت أعين الجميع”.
المفارقة أن حكومة الانقلاب لا تبدو مشغولة بإقناع الجمهور بسلامة الصندوق بقدر انشغالها بتعقيم المشهد من أي سؤال سياسي كبير.
فبدل مواجهة آثار إلغاء نتائج 30 دائرة وما تعنيه من ارتباك ومعضلات في إدارة الانتخابات، يجري دفع النقاش إلى مساحة أضيق: هل دخلت وسائل الإعلام؟ هل شاهدت الفرز؟ وكأن السياسة تُختزل إلى “إجراءات” بلا سياق.
والأخطر—بحسب معارضين—أن هذا النمط يعيد تعريف الشفافية بوصفها “إتاحة مراقبة لحظية” لا “ضمانات بنيوية”: الشفافية تصبح جولة داخل اللجنة، لا بيئة عامة تسمح بالتنافس الحقيقي والمساءلة قبل الاقتراع وبعده.
في هذه الصيغة، لا تُصلح الهيئة مسارًا مختلًا؛ بل تُغطيه بإطار تصوير أفضل.
منظمات المجتمع المدني: رقابة رمزية لتجميل الختام
أكدت الهيئة الوطنية للانتخابات كذلك السماح لمنظمات المجتمع المدني والحقوقية بمتابعة مجريات التصويت.
لكن منتقدين يرون أن استدعاء المجتمع المدني في اليوم الأخير—أو إبراز حضوره إعلاميًا في اللحظة الأخيرة—لا يساوي رقابة فعلية، بل يمنح “شهادة شكلية” تُستخدم لتخفيف الضغط وتدوير الزوايا.
فالمعيار ليس مجرد دخول مراقب إلى لجنة، بل: ما مساحة الحركة؟ ما نطاق الاطلاع؟ هل يستطيع توثيق الملاحظات دون تعطيل؟ وهل يملك حق نشر ما رآه دون أن يُتهم بتشويه الدولة أو “الإضرار بالمصلحة العامة”؟
في ظل مناخ سياسي شديد التضييق، يرى كثيرون أن دور المراقبة يتحول إلى حضور محدود لا يملك أن يغيّر شيئًا، لكنه يصلح كملحق دعائي لتأكيد أن الحكومة “تسمح” بالرقابة.
وبلغة أكثر صراحة لدى خصوم الانقلاب: حين تضيق السياسة، تُستدعى الرموز بدل الضمانات.
حضور منظمات في النهاية قد يُنتج انطباعًا عامًا بأن العملية محصّنة، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية—حول التنافس والتمثيل وتوازن النفوذ—مؤجلة إلى ما بعد إعلان النتائج، أي إلى “لا وقت مناسب” لمناقشتها.
الأعطال والتأخر: إدارة أزمة صغيرة لإخفاء أزمة أكبر
أقرت الهيئة بتأخر فتح بعض اللجان لفترات قصيرة بسبب أعطال في سيارات القضاة، وقدمت السبب باعتباره فنيًا.
في الظاهر، يبدو الاعتراف دليلًا على احتراف إداري، لكن القراءة الأكثر حدة تراه جزءًا من تكتيك مألوف لدى حكومة الانقلاب: الاعتراف السريع بتفصيلة صغيرة، ثم محاصرة أثرها بخطاب “لا مشكلة”، لتجنب تحوّل أي خلل إلى نافذة أسئلة عن كفاءة الإدارة أو عدالة التنظيم أو تكافؤ الفرص.
ثم يأتي البناء على ذلك: “مشهد ختامي بلا توترات”، “تعاون داخل اللجان”، “انتخابات تحت رقابة كاملة”.
غير أن خصوم الحكومة يرون أن الهدوء ليس دليل نزاهة بقدر ما قد يكون دليل سيطرة؛ إذ يمكن لأي مسار مُدار بإحكام أن يبدو هادئًا، بينما تُستبعد السياسة الحقيقية من المجال العام، ويُترك المواطن أمام مشهد منضبط لا يملك أدوات التأثير فيه إلا داخل حدود مرسومة سلفًا.
ومع اقتراب موعد إعلان النتائج النهائية في 10 يناير، تتجاوز أهمية اليوم الأخير الأرقام إلى وظيفة سياسية واضحة: إنتاج شرعية بصرية لحكومة الانقلاب، لا عبر فتح السياسة، بل عبر تحسين الإخراج.
في هذا السياق، تصبح “الوطنية للانتخابات” ليست فقط جهة تنظيم، بل ركيزة في سردية رسمية تريد إقناع الداخل والخارج بأن كل شيء طبيعي—حتى عندما تقول الوقائع السابقة إن المسار نفسه احتاج إلى إلغاء نتائج 30 دائرة كي يُستكمل.

