أكد الدكتور محمد عبد العاطي، وزير الموارد المائية والري الأسبق، أن مفاوضات سد النهضة مع الجانب الإثيوبي مرت خلال السنوات الماضية بمراحل متقلبة، وصلت في إحدى محطاتها إلى اتفاق محتمل قبل أن تتراجع إثيوبيا عنه، ما زاد تعقيدات ملف المياه في حوض النيل.
وخلال لقاء تلفزيوني، شدد عبد العاطي على أن أخطر ما تواجهه مصر حاليًا ليس “نقص الموارد الدائم” بقدر ما هو خطر الجفاف المرتبط بندرة المياه في فترات زمنية محددة، واصفًا ذلك بأنه “الكابوس الحقيقي”.
وفي قراءة أوسع للمشهد، يرى عبد العاطي أن إثيوبيا—وفق تقديرات فنية—لا تعاني أزمة مياه بالمعنى التقليدي، وأن هدفها الأبرز يرتبط بتوليد الكهرباء، بينما تتحمل دول المصب تبعات أي إدارة غير منسقة للسد.
يتزامن هذا الطرح مع جدل متجدد حول الأسس التي حكمت التفاوض منذ سنوات، وبخاصة اتفاق “إعلان المبادئ” عام 2015، الذي يعده منتقدون نقطة تحول سلبية لأنه أقر مبدأ بناء السد دون ضمانات ملزمة لآليات التشغيل والملء.
وبينما تؤكد الحكومة المصرية أن الاتفاق كان يهدف لتنظيم التعاون ومنع الإضرار بمصالح دول المصب، يصر معارضون على أنه منح إثيوبيا غطاءً سياسيًا وقانونيًا استُخدم لاحقًا في تكريس الأمر الواقع.
وفي ختام حديثه، شدد وزير الري الأسبق على أن إدارة الملف لم تعد تفاوضًا فقط، بل قضية أمن قومي تتطلب قوة شاملة فنيًا وسياسيًا وتماسكًا داخليًا وإدارة دقيقة ومستدامة للموارد.
مفاوضات متقلبة واتفاق “تراجع”
يقدم عبد العاطي صورة لمسار تفاوضي لم يتحرك في خط مستقيم، بل شهد محطات صعود وهبوط، بينها مرحلة قال إنها اقتربت من اتفاق محتمل قبل أن تتراجع عنه إثيوبيا.
أهمية هذه الإشارة أنها تضع الأزمة في إطار “فرص ضائعة” وتبدلات في مواقف الأطراف، بما يفسر—وفق هذا المنطق—لماذا لم تُحسم قواعد التشغيل والملء في صيغة مُلزمة حتى الآن.
ويرى عبد العاطي أن المشكلة لا تتعلق فقط بإقامة منشأة مائية كبرى، بل بطريقة إدارتها في سياق نهر دولي تتشابك فيه المصالح والاحتياجات.
ومن زاوية دول المصب، تصبح “الإدارة غير المنسقة” عامل قلق مركزي، لأن أي قرارات أحادية قد تنعكس مباشرة على تدفقات المياه في توقيتات حرجة.
كما يلفت الوزير الأسبق إلى أن إثيوبيا—وفق تقديرات فنية أشار إليها—تمتلك موارد مائية متجددة، ما يعزز طرحه بأن القضية ليست ندرة مطلقة لديها بقدر ما هي مشروع طاقة وتسويق سياسي واقتصادي للعوائد المتوقعة من الكهرباء.
وفي المقابل، يبرز عنصر الحساسية لدى دول المصب: أنها الطرف الذي يدفع كلفة “اللايقين” إذا لم تكن قواعد الملء والتشغيل واضحة ومحددة بزمن وسيناريوهات جفاف وفيضانات.
“كابوس” الجفاف لا العجز الدائم
يركز عبد العاطي على مفهوم محدد للخطر: الجفاف المرتبط بندرة المياه في فترات زمنية معينة، وهو ما يصفه بالكابوس الحقيقي الذي ينبغي أن تتأهب له الدولة.
هذا التفريق بين “نقص دائم” و“ندرة مؤقتة شديدة” يعني عمليًا أن إدارة المخاطر تتطلب خطط طوارئ وتشغيلًا مرنًا للموارد وقدرة على امتصاص الصدمات، بدل الاقتصار على مقارنات رقمية ثابتة عن الحصص.
وفي هذا السياق، تصبح قواعد تشغيل سد النهضة خلال سنوات الجفاف نقطة اختبار حقيقية، لأن آثارها قد تتضاعف إذا تزامنت قرارات الملء أو التشغيل مع انخفاض طبيعي في إيراد النهر.
لذلك يربط عبد العاطي بين المسار التفاوضي وبين الأمن المائي الداخلي، معتبرًا أن حساسية “التوقيت” أخطر من النقاش العام حول وجود السد في حد ذاته.
كما يعيد هذا الطرح ترتيب أولويات النقاش: بدل سؤال “هل هناك نقص؟” يصبح السؤال “متى يحدث النقص وبأي حدة، وهل توجد آليات مشتركة تمنع تضخيمه؟”.
ومن منظور دول المصب، فإن غياب التنسيق لا يعني فقط تراجعًا في المياه، بل يعني عدم القدرة على التنبؤ والاستعداد، وهو ما يرفع كلفة الإدارة الوطنية للموارد.
إعلان مبادئ 2015… قلب الأزمة
يصف خبراء ومحللون أزمة سد النهضة بأنها ترتبط بجذور تفاوضية أبرزها اتفاق إعلان المبادئ عام 2015، الذي اعتبره منتقدون نقطة تحول سلبية لأنه أقر مبدأ بناء السد دون ضمانات ملزمة لآليات التشغيل والملء.
وفق هذا الرأي، تحوّل الاتفاق إلى ورقة سياسية وقانونية ساعدت إثيوبيا لاحقًا على الدفع باتجاه فرض الأمر الواقع تدريجيًا.
في المقابل، تتمسك الحكومة المصرية بأن الاتفاق كان يهدف إلى تنظيم التعاون ومنع الإضرار بمصالح دول المصب، بما يعني أن الخلاف لا يقتصر على نصوص الاتفاق بل يمتد إلى تفسيرها وكيفية ترجمتها إلى قواعد تنفيذية.
ويضيف عبد العاطي إلى ذلك أن بداية ملء سد النهضة تسببت—بحسب قوله—في اضطرابات مائية بالسودان شملت حالات جفاف وفيضانات، وهو طرح يعزز فكرة أن أثر السد يتجاوز دولة واحدة ويمتد على طول مسار النهر.
وينهي وزير الري الأسبق حديثه برسالة سياسية-فنية مزدوجة: أن الملف يتطلب تماسكًا داخليًا وقوة شاملة، وأن الأزمة لم تعد تفاوضًا فقط بل قضية أمن قومي تستوجب إدارة دقيقة ومستدامة للموارد.
وفي ضوء ذلك، تبدو المرحلة المقبلة—وفق منطق حديثه—مرهونة بقدرة الدولة على الجمع بين التفاوض الصلب، والاستعداد الفني لسيناريوهات الجفاف، وإدارة الموارد محليًا بما يقلل الهشاشة أمام أي قرارات تشغيل أحادية.

