رغم عسكرة السيسي الشاملة للمحافظات والوزارات والمؤسسات السيادية خلال عشرية حكمه السوداء، تعود دوائر النظام للترويج لاحتمال إسناد رئاسة مجلس الوزراء لشخصية عسكرية مثل الفريق كامل الوزير، في خطوة تُفسر كاستجابة لـ"مرحلة إقليمية خطرة" تتطلب قيادة أمنية صلبة.
هذا التكهن لا يأتي من فراغ، بل يعكس حالة من التوتر الداخلي والخارجي، حيث يُنظر إلى مدبولي ككبش فداء لفشل اقتصادي متراكم، بينما يُروَّج للعسكريين كـ"حلول طوارئ". لكن الواقع يُظهر أن هذا السيناريو قد يكون مجرد تكتيك لامتصاص الغضب الشعبي، دون تغيير جوهري في نظام يرفض أي استقلالية حقيقية لقياداته العسكرية.
عسكرة شاملة.. وتفكيك القيادات
عسكرة السيسي لم تتوقف عند تعيين عسكريين في وزارات النقل والصناعة والإسكان، بل امتدت إلى محافظات ومؤسسات سيادية، مما جعل الفريق كامل الوزير –المرشح المحتمل– رمزًا لفشل إداري ذريع في حقائبه الحيوية. اليوم، يُشاع استبداله برئاسة الوزراء لأنه "أكثر انسجامًا مع عقلية الطوارئ"، مستشهدين بسابقة استدعاء الفريق عبد المجيد صقر من التقاعد لوزارة الدفاع في 2024.
لكن هذا الطرح يتجاهل سياسة السيسي الثابتة في تفكيك أي قيادة عسكرية مستقلة؛ فقد أنهى خدمة صدقي صبحي عام 2018 رغم تحصين منصبه دستوريًا، وخلّف محمد زكي في 2024، بالإضافة إلى رؤساء الأركان محمود حجازي ومحمد فريد حجازي وأسامة عسكر. كما أطاح بقيادات المخابرات الحربية والعامة تباعًا، ليضمن تحييدًا كاملاً للمؤسسة العسكرية التي دعمته في انقلاب 2013. هذه السياسة تحول دون عودة عسكريين حقيقيين للقيادة، فالسيسي لا يثق إلا بنفسه.
مدبولي الكبش الفدائي في مرحلة الانهيار
مصطفى مدبولي، المدني "الآمن"، تحمَّل غضب الشارع من الغلاء والديون والانهيار الاقتصادي، بينما حافظ على ولائه الكامل للسيسي دون أي وزن سياسي حقيقي. نائب رئيس حزب تكنوقراط مصر محمد حمدي يرى أن رئيس الوزراء مجرد "منفذ تعليمات"، وأن بقاءه أو استبداله لا يُغيِّر شيئًا، لكن تصعيد كامل الوزير سيكون "سكب بنزين على النار"، خاصة مع الغضب من فشل العسكريين في إدارة الملفات الاقتصادية والخدمية.
في سياق إقليمي متوتر، يُروَّج للعسكري كـ"حل أمني"، لكن مراقبين يُحذِّرون من أن هذا يُفاقم صورة نظام عسكري فشل في الاقتصاد، حيث بلغت الديون 170 مليار دولار والتضخم يلتهم الرواتب. مدبولي يُفضَّل لأنه يتحمَّل اللوم دون تهديد، بينما العسكري الجديد قد يُكشف عجز النظام أكثر.
سكرتارية تنفيذية لا قيادة حقيقية
الدكتور مراد علي، خبير الاستراتيجية، يُؤكِّد أن التجربة منذ 1952 جعلت رئيس الوزراء "سكرتارية عند الرئيس"، كما قال يوسف والي سابقًا. تولي عسكري سابق المنصب لا يُمَنح نفوذًا، إذ تُزال القوة بخلع البدلة، والمؤسسة تتحرّك بتسلسل قيادي صارم. كامل الوزير "ليس من الطبقة الأولى" داخل الجيش، وتعيينه لن يُغيِّر سياسات السيسي الفاشلة في الاقتصاد أو الأمن.
التغيير الحقيقي لا يأتي بتبديل وجوه، بل بتغيير السيسي أو سياساته، وأي خطوة عسكرية جديدة ستُعزِّز صورة نظام يُدار كمعسكر عسكري مغلق، يُهمل الشعب لصالح "الطوارئ الإقليمية". في النهاية، الإطاحة بمدبولي قد تكون مسرحية لامتصاص الغضب، دون حل أزمات متراكمة تهدِّد الاستقرار.

