في مشهد يعكس قمة البراجماتية السياسية المتجردة من أي ولاءات سابقة، وجه عبد الفتاح السيسي صفعة دبلوماسية مدوية لحليفه الاستراتيجي الأبرز، محمد بن زايد، بعد سنوات من الدعم المالي والسياسي اللامتناهي الذي قدمته أبوظبي لتثبيت أركان نظامه منذ 2013.

 

جاء استقبال السيسي للأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، وتصريحاته حول "تطابق الرؤى" المصرية السعودية، بمثابة إعلان غير رسمي عن إعادة تموضع القاهرة، تاركة "الراعي الإماراتي" يحصي خسائره السياسية والمالية.

 

هذا التحول لا يكشف فقط عن هشاشة التحالفات التي بناها النظام الحالي، بل يؤكد المؤكد: أن "الغدر" بات سمة أصيلة في نهج جنرال لم يتورع سابقًا عن الانقلاب على رؤسائه، سواء مبارك أو مرسي، واليوم يأتي الدور على من مول بقاءه في السلطة.

 

مليارات أبوظبي في مهب الريح: حين يبيع التابع سيده

 

لسنوات طويلة، تعاملت الإمارات مع نظام السيسي باعتباره استثمارها الجيوسياسي الأهم في المنطقة.

 

ضخ محمد بن زايد عشرات المليارات من الدولارات في الخزانة المصرية، ليس حبًا في مصر، بل لضمان وجود نظام يدين بالولاء الكامل لأجندة أبوظبي الإقليمية.

 

كانت الأموال تتدفق بلا حساب لتعويم النظام اقتصاديًا وتأمين شرعيته الدولية، ظنًا من "بن زايد" أنه اشترى ولاء القاهرة إلى الأبد.

 

لكن ما حدث بالأمس يكشف سذاجة الرهان على نظام يقتات على التناقضات.

 

فبمجرد أن لوحت الرياض بفتح صنابير الدعم أو الشراكة بشروط جديدة، سارع السيسي لتقديم فروض الطاعة، متجاهلاً "الفضل الإماراتي" الذي لولاه لما استمر حكمه لشهور.

 

يشعر "بن زايد" اليوم بمرارة الطعنة، ليس فقط لخسارة النفوذ، بل لأن استثماره الضخم في "الاستقرار القمعي" بمصر لم يمنحه حصانة ضد تقلبات السيسي، الذي أثبت أنه مستعد لبيع أي حليف لمن يدفع أكثر أو لمن يضمن له البقاء يومًا إضافيًا على الكرسي.

 

زيارة بن فرحان: رسائل "التطابق" وتهميش الدور الإماراتي

 

لم تكن زيارة وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، للقاهرة مجرد لقاء بروتوكولي، بل كانت بمثابة تدشين لمرحلة جديدة من الاصطفاف المصري السعودي الذي يأتي بالضرورة على حساب النفوذ الإماراتي المتضخم.

 

التركيز الإعلامي المبالغ فيه على مصطلح "تطابق المواقف" بين القاهرة والرياض يحمل رسالة مبطنة لأبوظبي مفادها أن "الأخ الأكبر" (السعودية) قد عاد للإمساك بملفات المنطقة، وأن مصر السيسي اختارت العودة للمظلة السعودية في ظل التنافس الصامت والمحتدم بين الرياض وأبوظبي.

 

هذا التحول يأتي في وقت حساس تمر فيه المنطقة بتوترات جيوسياسية، حيث تسعى السعودية لترسيخ قيادتها الإقليمية بمعزل عن المشاغبات الإماراتية.

 

السيسي، بحاسته الانتهازية، التقط الإشارة وقرر القفز من المركب الإماراتي – ولو مؤقتًا – ليرتمي في الحضن السعودي، مدركًا أن الرياض تملك مفاتيح حلول لأزماته الاقتصادية الراهنة قد تكون أكثر جدوى من الشروط الإماراتية المجحفة التي بدأت تطلب أصولاً سيادية مقابل الديون.

 

الغدر كعقيدة سياسية: من مبارك ومرسي إلى بن زايد

 

لا يمكن قراءة المشهد الحالي بمعزل عن السجل التاريخي لقائد الانقلاب.

 

فالرجل الذي أقسم اليمين أمام الرئيس الشهيد محمد مرسي ثم انقلب عليه وسجنه، والرجل الذي كان مديرًا للمخابرات الحربية في عهد مبارك وساهم في مشهد إزاحته للحفاظ على مكتسبات المؤسسة العسكرية، لا يجد غضاضة اليوم في التخلي عن حليفه الخليجي الأول.

 

إن سلوك السيسي السياسي يؤكد أن "الوفاء" ليس بندًا في قاموسه، وأن علاقاته الدولية محكومة بمبدأ "المصلحة الشخصية الآنية" لا المصالح الوطنية الاستراتيجية.

 

لقد استنزف السيسي الإمارات مالياً، وحصل منها على كل ما يريد من دعم لوجستي وإعلامي لتثبيت حكمه، واليوم عندما تطلبت حسابات البقاء التملص من العباءة الإماراتية لصالح العباءة السعودية، لم يتردد لحظة.

 

هذا النمط من السلوك يجعل النظام المصري عبئًا على حلفائه قبل خصومه، فلا أحد يأمن جانب نظام يرى في الغدر ذكاءً سياسيًا وفي نكران الجميل مناورة استراتيجية.

 

وأخيرا ، يبدو أن محمد بن زايد يتجرع اليوم من نفس الكأس التي سقاها لآخرين بدعمه لهذا النظام.

 

إن التحولات الدراماتيكية في ولاءات السيسي تؤكد أن المراهنة على الأنظمة الديكتاتورية هي مقامرة خاسرة، وأن المال السياسي مهما كثر لا يشتري ذمم من اعتادوا الانقلاب على العهود.

 

لقد أهدرت أبوظبي ثروات طائلة لدعم قمع المصريين، وها هي اليوم تحصد "الجحود" من صنيعتها.

أما الشعب المصري، فيراقب هذا الصراع بين الرعاة والكفلاء، مدركًا أن بلاده باتت كرة تتقاذفها العواصم، بينما يواصل النظام بيع مواقفه لمن يضمن له الاستمرار، بلا أي اعتبار لكرامة وطنية أو التزامات أخلاقية.