ذكرت مصادر لموقع القاهرة 24 أن أسباب تغيير اسم حديقة الحيوان تعود إلى الرغبة في العودة إلى اسمها الأصلي العريق «جنينة الحيوانات»، في خطوة قيل إنها لإحياء التراث وإرضاء المواطنين، واستجابة لرغبات شريحة واسعة منهم، مع التأكيد على الهوية التاريخية المرتبطة في ذاكرة الأجيال بهذا اللفظ.

 

لكن خلف هذه الرواية المطمئنة، يبرز سؤال جوهري: هل يُحيا التراث بتغيير الاسم فقط، بينما الواقع يشهد تآكلًا ممنهجًا للتراث المعماري والتاريخي في القاهرة وغيرها؟

أم أن المسألة لا تتجاوز إعادة تسمية شكلية تُغطي سياسات تُفرّغ المكان من قيمته الأصيلة؟

 

«إحياء التراث» بالمسميات… لا بالمضمون

 

تغيير اسم حديقة الحيوان بالجيزة إلى «جنينة الحيوانات» يُقدَّم بوصفه عودة للجذور، لكن التراث لا يُختزل في لافتة أو بيان صحفي.

التراث منظومة متكاملة: مبانٍ تاريخية تُصان، حدائق تُدار وفق معايير علمية، ذاكرة مكان تُحترم، وسياق عمراني لا يُشوَّه.

حين تُترك العناصر الأساسية للحديقة عرضة للإهمال أو العبث، يصبح الحديث عن إحياء التراث مجرد ديكور لغوي.

 

الأخطر أن هذا المنطق يتكرر: تغيير أسماء شوارع، ميادين، أو مرافق عامة، بينما تتعرض المباني التاريخية للهدم أو التشويه بدعوى التطوير.

كأن المشكلة في الاسم لا في السياسات. وكأن الذاكرة الجمعية تُستعاد بلفظ قديم، حتى لو فُقدت الروح التي صنعت ذلك اللفظ. التراث ليس «حنينًا لغويًا»، بل مسؤولية إدارة وحماية.

 

بين ذاكرة المواطنين وواقع الإهمال

 

لا خلاف على أن «جنينة الحيوانات» اسم راسخ في الوجدان الشعبي، وأن كثيرين يستخدمونه تلقائيًا حتى اليوم.

لكن توظيف هذا الارتباط العاطفي لتبرير قرار إداري، دون معالجة جوهرية لأزمات المكان، يُعد التفافًا على مطالب الناس الحقيقية.

المواطن لا يطلب اسمًا فقط؛ يطلب مكانًا نظيفًا، آمنًا، يحترم الحيوان والإنسان، ويصون تاريخه.

 

الحديقة، كغيرها من معالم القاهرة التاريخية، عانت سنوات من تراجع الصيانة، ضعف الإدارة، وغياب الرؤية.

فإذا كان الهدف إرضاء المواطنين، فالأولى هو تقديم خطة شفافة: ما مصير المباني التاريخية داخل الحديقة؟ كيف ستُحفظ الطرز المعمارية؟ ما المعايير البيئية والبيطرية المعتمدة؟ وكيف سيُدار المكان دون تحويله إلى مشروع تجاري يلتهم ذاكرته؟

من دون إجابات، يبدو تغيير الاسم محاولة لامتصاص الغضب لا أكثر.

 

سياسة عامة تُبدّل العناوين وتُهمل الجذور

 

قضية تغيير اسم حديقة الحيوان ليست استثناءً، بل حلقة في نمط أوسع. تُرفع شعارات «التطوير» و«إحياء التراث»، بينما تُهدم مقابر تاريخية، وتُزال مبانٍ ذات قيمة، وتُختصر المدن في مسارات مرورية وأسوار خرسانية.

هذا التناقض يطرح سؤال المصداقية: كيف تُطالب الحكومة بالثقة في نواياها تجاه التراث، وهي تتعامل معه كعقبة تخطيطية لا كرصيد حضاري؟

 

التراث لا يُدار بالقرارات الفوقية ولا بالحلول السريعة. يحتاج إلى مشاركة مجتمعية حقيقية، واستماع للمتخصصين، وإتاحة المعلومات للرأي العام. يحتاج إلى ميزانيات مُعلنة، وجداول زمنية، ومساءلة.

أما الاكتفاء بإعادة تسمية مكان عريق، في وقت تُمس فيه ركائز التاريخ، فلا يُقنع إلا من يبحث عن عنوان جميل لواقع قاسٍ.

 

الخلاصة: إعادة اسم «جنينة الحيوانات» قد تُرضي الأذن، لكنها لا تُرضي الذاكرة إذا ظلّ التراث يُستنزف. إحياء التاريخ لا يكون بالشعارات، بل بحماية الحجر والشجر والإنسان.

وما لم تتغير السياسات التي تُدمر التراث على الأرض، سيظل تغيير الأسماء محاولة لتجميل مشهدٍ يتآكل من الداخل.