رغم قرار شركة نستله سحب كميات من حليب الأطفال لاحتمال احتوائها على مادة سامة قد تؤدي إلى الغثيان والقيء وتقلصات البطن، ما زالت الحكومة المصرية تواصل نفيها وجود ألبان مسممة أو ملوثة في السوق المحلي، وتصف ما يجري بأنه “إجراءات احترازية”.

هذا التناقض بين التحذيرات الدولية والبيانات الرسمية أشعل حالة رعب بين الأهالي، ودفع كثيرين للتوقف عن شراء ألبان الأطفال انتظارًا لانقشاع الأزمة، خاصة بعد تأكيد جهات أوروبية أن المادة محل الشبهة لا تتأثر بالحرارة ولا بالغليان، ما يجعل الخطر – إن وُجد – غير قابل للإبطال بطرق التحضير التقليدية.

 

تحذيرات أوروبا: مادة لا يوقفها الغليان

 

القصة بدأت عندما نشرت وكالة المعايير الغذائية البريطانية قائمة ببيانات الدفعات التي يجب عدم تناولها، محذرة من احتمال وجود مادة Cereulide السامة في بعض منتجات حليب الأطفال.

الوكالة أوضحت أن هذه المادة مستقرة حراريًا بدرجة كبيرة، أي أن نشاطها لا يتوقف بالطهي أو باستخدام الماء المغلي أو عند تحضير الرضعات. التحذير كان واضحًا: في حال تناولها قد تظهر الأعراض بسرعة، وتشمل الغثيان والقيء وتقلصات شديدة بالبطن، وهي أعراض خطيرة خصوصًا على الرضع.

 

الرسالة الأوروبية لم تكن عابرة، بل مدعومة بإجراءات عملية؛ إذ قررت نستله سحب كميات من المنتج المتأثر، وأكدت أنها لم تتلقَّ تقارير مؤكدة عن حالات مرضية حتى لحظة الإعلان، لكنها مضت في السحب “انطلاقًا من الحذر الشديد” ووفق بروتوكولات الجودة والسلامة المعتمدة لديها.

خبراء سلامة الغذاء يرون أن هذا النوع من السحب الطوعي في الأسواق المتقدمة يُعد معيارًا مهنيًا عندما تظهر شبهة خطر، حتى قبل تسجيل إصابات، لأن تكلفة الوقاية أقل بما لا يُقاس من تكلفة التهاون.

 

نفي رسمي وسحب احترازي: تناقض يربك الأهالي

 

في المقابل، أعلنت الهيئة القومية لسلامة الغذاء أن المنتج المشار إليه غير مسجل لديها، ولم يُمنح أي تراخيص للاستيراد أو التداول، وأنه غير متداول في السوق المصري. وأكدت أن كل منتجات حليب الأطفال في مصر تخضع لإجراءات تسجيل وفحص ورقابة صارمة وفق أحدث المعايير، نظرًا لحساسية الفئة المستهدفة.

 

لكن الهيئة نفسها أعلنت لاحقًا تنفيذ سحب احترازي فوري لعدد من دفعات منتجات حليب الأطفال Nan من إنتاج نستله مصر، بعد إخطار رسمي من الشركة بسحب طوعي لتشغيلات محددة عقب اكتشاف خلل في أحد المكونات الأولية. هذا الإعلان كشف جوهر الإشكال: كيف يكون المنتج “غير متداول” ثم تُسحب تشغيلات منه احترازيًا؟ خبراء الإدارة الغذائية يعتبرون أن هذا التضارب في الرسائل يفاقم القلق بدلًا من تبديده.

 

الأهم أن الهيئة اعترفت برصد آثار لمادة Cereulide الناتجة عن بكتيريا Bacillus cereus في أحد المكونات الأولية، وهو زيت حمض الأراكيدونيك (ARA) المستخدم في التصنيع.

وأقرت بأن التعرض لهذه المادة قد يؤدي إلى غثيان وقيء شديدين، خاصة لدى الأطفال. الهيئة قالت إنها ستتابع إجراءات السحب بالتنسيق مع نستله، وتُلزم الموردين والموزعين بوقف التداول للتشغيلات المحددة، وطالبت المستهلكين بالتحقق من أرقام التشغيلات والتوقف الفوري عن الاستخدام إذا تطابقت البيانات.

 

خبراء صحة الطفل يرون أن الاعتراف بوجود آثار للمادة السامة – حتى في مكون أولي – يفرض أقصى درجات الشفافية، لأن ثقة الأهالي تُبنى على وضوح الرسالة لا على طمأنة عامة. فالسحب الاحترازي إجراء سليم، لكن إنكاره لفظيًا ثم الإقرار به عمليًا يربك السوق ويزيد من الشك.

 

الأسواق الأوروبية ومصر: أين الفارق الحقيقي؟

 

في سياق التوضيح، قال الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، إن السلطات الأوروبية اكتشفت منتج لبن أطفال يحتوي على مادة لا تتأثر بالحرارة أو الغليان وقد تسبب أعراض تسمم غذائي، وإن الشركة المنتجة سحبت المنتج من الأسواق الأوروبية بالكامل حمايةً للمستهلكين. وأكد أن المنتج الذي سُحب أوروبيًا لم يتم تسجيله في مصر ولم يدخل السوق المصري.

 

لكن عوف أشار أيضًا إلى أن نستله خاطبت هيئة سلامة الغذاء في مصر بخصوص منتج آخر متداول محليًا، وطلبت سحبه ووقف تداوله كإجراء احترازي، رغم عدم تسجيل مشاكل حتى الآن. واعتبر أن هذا الإجراء وقائي لضمان عدم تكرار أي مخاطر محتملة، مؤكدًا أن السحب الاحترازي لا يعني وجود تسمم فعلي داخل مصر، بل يعكس تعاونًا بين الشركات والجهات الرقابية.

 

خبراء سياسات الغذاء يلفتون هنا إلى نقطة جوهرية: الفارق الحقيقي بين الأسواق لا ينبغي أن يكون في مستوى الخطر، بل في سرعة الكشف والوضوح في التواصل. فإذا كانت المادة السامة لا يُبطلها الغليان، فإن معيار الأمان واحد في كل مكان. ما يطمئن الأهالي ليس النفي المطلق، بل تقديم معلومات دقيقة عن التشغيلات، ونطاق السحب، وخطط المتابعة، ونتائج الفحوص المستقلة.

 

في النهاية، الأزمة كشفت هشاشة الثقة حين تتصادم التحذيرات الدولية مع نفي محلي متردد. سحب نستله الطوعي خطوة مهنية، واعتراف الهيئة بآثار المادة خطوة ضرورية، لكن الرسالة المختلطة تظل مشكلة.

خبراء حماية المستهلك يؤكدون أن الطريق الوحيد لاستعادة الطمأنينة هو الشفافية الكاملة، ونشر قوائم التشغيلات بوضوح، وإتاحة نتائج الفحص، لأن صحة الرضع لا تحتمل الالتباس ولا البيانات المزدوجة.