بعد أن ربحت شركة السويدي تعويضًا من شركة مياه الشرب والصرف الصحي في قضية تتعلق بعدادات المياه الكودية التي أنتجتها الشركة الخاصة، تحركت شركات المياه الحكومية في اتجاه مختلف تمامًا: تحميل كلفة التعويضات على المواطنين بصورة غير مباشرة. خلال الأيام الماضية، تداول ناشطون صورًا لإيصالات ومطالبات مالية تحت بند “تحديثات العدادات”، في خطوة بدت تقنية في ظاهرها، لكنها تحمل أثرًا ماليًا واضحًا على كل مشترك.

 

هذه التطورات لم تأتِ في فراغ. فهي تزامنت مع قرار حكومي سابق بتخفيض نصيب الفرد من المياه من 250 لترًا يوميًا إلى 150 لترًا فقط، في خطوة سياسية تمهيدية، تلتها تحديثات عدادات مسبقة الدفع كخطوة تنفيذية. في قراءة خبراء، العلاقة بين القرارين واضحة: تقليل الاستهلاك بالقوة، وزيادة الإيرادات دون إعلان رفع الأسعار، باستخدام العدادات الكودية كأداة أساسية، ثم تعديل طريقة الحساب بما يجعل تجاوز الشرائح أسهل وأغلى.

 

وثيقة رسمية وتغيير “تقني” بأثر مالي مباشر

 

الوثيقة المتداولة، والصادرة رسميًا عن شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالجنوب التابعة لـ الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي ووزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، تكشف جوهر التغيير. الوثيقة لا تعلن زيادة أسعار صريحة، لكنها تُقر تعديلًا في طريقة حساب الاستهلاك لعدادات المياه مسبقة الدفع.

 

التعديل ينص على أن استهلاك اليوم الأخير من كل شهر يُحاسَب على أعلى شريحة، ولن يُرحَّل إلى الشهر التالي كما كان يحدث سابقًا. ظاهريًا، يبدو التغيير بسيطًا، لكن خبراء يؤكدون أن أثره المالي واضح: أي استهلاك في اليوم الأخير، حتى لو كان محدودًا، سيُحسب بسعر أعلى، ما يرفع إجمالي الفاتورة الشهرية تلقائيًا.

 

وتحاول شركات المياه طمأنة المشتركين بالقول إن “المبلغ لا يتعدى 150 قرشًا”. لكن خبراء اقتصاد المرافق يرون أن هذا التصريح يحمل اعترافًا ضمنيًا بأن هناك مبلغًا إضافيًا سيُخصم شهريًا من كل مشترك. قد يبدو الرقم صغيرًا في حد ذاته، لكنه يتكرر مع ملايين العدادات، ما يعني زيادة ضخمة في إيرادات الشركات دون أي تعديل رسمي في أسعار الشرائح.

 

الخبراء يصفون ما يحدث بأنه زيادة فعلية للإيرادات بطرق التفافية. فبدلًا من إعلان رفع سعر المتر أو تعديل الشرائح، يجري تعديل طريقة الحساب، لتكون النتيجة النهائية تحميل المستهلك تكلفة أعلى، تحت مسمى “تحديثات فنية”.

 

مشكلات العدادات الكودية: قراءة أعلى وأخطاء بلا تصحيح

 

بعيدًا عن مسألة التحديث، فإن العدادات الكودية نفسها تمثل أزمة ممتدة. ناشطون نقلوا عن مهندسين في شركات المياه أن هذه العدادات تعتمد على حساس ميكانيكي أو مغناطيسي، يتأثر بالترسبات وبالضغط غير المستقر داخل الشبكات. النتيجة، في كثير من الحالات، هي تسجيل استهلاك أعلى من الحقيقي.

 

شكاوى المواطنين متكررة: “العداد بيسحب رصيد بسرعة”، أو “متأخرات فجأة بآلاف الجنيهات”. هذه الشكاوى، بحسب مهندسين، ليست وهمية، بل مرتبطة بطبيعة التقنية المستخدمة، وبتقادم شبكات المياه، وعدم انتظام الضغط.

 

وتتجاهل شركات المياه، وفق خبراء، عوامل جوهرية: تهالك شبكات المياه والصرف، غياب المعايرة الدورية للعدادات، واختلاف جودة العدادات بين المحلي والتصديري من الشركة المصنعة نفسها. المشكلة الأكبر أن العداد الكودي يحاسب على شرائح شهرية جامدة؛ أي زيادة بسيطة في الاستهلاك قد تقفز بالمشترك إلى شريحة أعلى، حتى لو كان نمط استهلاكه العام منخفضًا.

 

كما أن العدادات مسبقة الدفع لا تسمح بسهولة بتصحيح الأخطاء. قرار الشركة غالبًا نهائي، ولا توجد آلية سريعة للطعن أو المراجعة. يضاف إلى ذلك الارتباط بالكهرباء؛ فالعدادات الإلكترونية تحتاج طاقة لتسجيل النبضات، وانقطاع الكهرباء قد يؤدي إلى فقدان بيانات أو تسجيل استهلاك غير دقيق، ثم العودة بحسابات غير منطقية، خصوصًا في المناطق الريفية والعشوائية.

 

مشكلات الصيانة لا تقل خطورة. المستهلك لا يستطيع معرفة تفاصيل استهلاكه من العداد، ولا يحصل على تقارير واضحة. الأعطال تحتاج فنيين متخصصين، وهم قلة داخل الهيئات، وبعضهم غير مدرب كفاية، فيكون الحل الأسهل استبدال العداد بآخر مماثل، لا حل المشكلة من جذورها. ومع جودة المياه نفسها، تؤثر الرواسب والطين والرمل على حساسات العداد، فيتسارع أو يتباطأ القياس. الخبراء يشيرون إلى أن العدادات تحتاج فلاتر أولية غير متوفرة في المنتج المحلي.

 

حتى “الكارت” نفسه يمثل أزمة: يتلف بسهولة، تحديثات الشركة قد تُحدث خللًا في الرصيد، وبعض العدادات لا تقرأ الكارت من أول مرة. فقدان الكارت يعني إجراءات طويلة قد تمتد لأسابيع ومصاريف إضافية.

 

150 لترًا للفرد: سياسة ندرة أم زيادة إيرادات؟

 

في قراءة أوسع، يرى خبراء أن تخفيض نصيب الفرد من المياه إلى 150 لترًا يوميًا، وتحديثات العدادات مسبقة الدفع، ليسا حدثين منفصلين. الحكومة، حين أعلنت هذا التخفيض بدلًا من 250 لترًا، كانت تُقر ضمنيًا بدخول مصر مرحلة فقر مائي حاد، وبأن أي استهلاك أعلى من هذا الحد سيُعامل كـ“تجاوز”.

 

هذا يعني عمليًا أن المواطن الذي كان استهلاكه طبيعيًا في السابق يصبح اليوم “متجاوزًا”، ويُحاسَب على شرائح أعلى. كل لتر إضافي صار أغلى، مع منع “التساهل” في الحساب. التحديثات الجديدة تُستخدم، وفق الخبراء، لإجبار المواطنين على الالتزام بالحد الجديد، وفي الوقت نفسه لزيادة الإيرادات دون إعلان صريح برفع الأسعار.

 

وفي النهاية، ورغم التحصيل الشهري المشدد بعد أن كانت المحاسبة سنوية أو نصف سنوية، ما زال العجز المالي في شركات المياه قائمًا، مرتبطًا بارتفاع تكلفة التشغيل والكهرباء والكلور والمعالجة، وتآكل الدعم الحكومي. لكن بدل معالجة هذه الأسباب الهيكلية، تُلقى الكلفة على المواطن، في دولة يمر فيها نهر النيل، بينما يصبح كوب المياه النظيفة بسعر مقبول عبئًا متزايدًا على الأسر.