تحت لافتات براقة تحمل أسماء مطمئنة مثل «دار الشفاء» أو «مركز الأمل»، تنتشر عشرات المصحات غير المرخصة لعلاج الإدمان في مصر، لكنها في الحقيقة ليست سوى أماكن احتجاز خارج القانون، تُمارَس داخلها أنماط عنف بدني ونفسي خطير، بعيدًا تمامًا عن أي إشراف طبي حقيقي.

 

داخل هذه الأماكن، يُقدَّم “العلاج القسري” باعتباره حلًا سحريًا، بينما الواقع يكشف عن ضرب وتجويع وتقييد واحتجاز غير قانوني، وإعطاء أدوية مجهولة المصدر دون وصفة طبية. الفيديوهات الأخيرة التي وثّقت هروبًا جماعيًا من إحدى هذه المصحات لم تكن حادثًا فرديًا، بل لحظة انكشاف لما ظل يحدث لسنوات خلف أبواب مغلقة، مستفيدًا من خوف الأسر، ووصمة الإدمان، وغياب رقابة الدولة.

 

شهادات من الداخل: فيلات تتحول إلى سجون خاصة

 

شهادات المرضى السابقين ترسم صورة قاتمة. «م. ع»، شاب في العشرينيات، يصف تجربته داخل إحدى المصحات الخاصة قائلًا إن المكان لم يكن أكثر من فيلا محاطة بسور عالٍ، بلا لافتة رسمية، ولا طبيب مقيم. “اللي موجودين كانوا مشرفين، بعضهم متعافين سابقين، وكل التعامل كان بالعنف”. منذ اليوم الأول، سُحبت الهواتف، أُغلقت الأبواب، وأي محاولة للاعتراض كانت تقابل بالتقييد والضرب. الطعام شحيح، والمياه “بالحساب”، وأي انهيار نفسي يُقابل باتهام المريض بالتمثيل.

 

شهادة أخرى جاءت من والدة أحد المرضى، قالت إنها لجأت للمصحة بعد فشل محاولات علاج ابنها، لكنها لم تكن تعلم أنها تسلّمه لمكان احتجاز. “في الأول كانوا بيطمنونا، وبعدها الزيارة اتمنعت، وكل مرة يقولوا ده بروتوكول علاج”. الصدمة الحقيقية كانت حين رأت ابنها بعد هروبه: جسده مليء بالكدمات، وآثار الضرب واضحة، في مشهد يلخص كيف يتحول “العلاج” إلى جريمة.

 

خبراء الصحة النفسية يؤكدون أن هذه الشهادات ليست استثناءً، بل نمطًا متكررًا في مصحات تعمل خارج أي إطار قانوني أو طبي، وتتعامل مع المريض باعتباره خطرًا يجب كسره، لا إنسانًا يحتاج علاجًا.

 

العنف يولد عنفًا: من علاج قسري إلى اعتداءات مسلحة

 

استشاري الصحة النفسية وعلاج الإدمان جمال فرويز يحذّر من أن العلاج القسري والعنيف داخل المصحات غير المرخصة يخلّف آثارًا نفسية لا تقل خطورة عن الإدمان نفسه. هذه الممارسات، بحسبه، قد تدفع المتعافي المزعوم إلى العنف والجريمة والانتقام. فرويز يوضح أن كثيرًا من الحالات التي تصل إلى عيادته بعد الخروج من هذه المصحات تعاني غضبًا شديدًا، وفقدان ثقة كامل في الأسرة والمجتمع.

 

الأخطر، كما يؤكد، أن هذا الغضب المكبوت يتحول في أحيان كثيرة إلى سلوك عدواني خطير. فرويز يتحدث عن وقائع شهدها بنفسه: اعتداءات مسلحة على مصحات غير مرخصة، محاولات حرق، واشتباكات عنيفة مع العاملين بها. ويشير إلى أن الضرب المتبادل داخل هذه الأماكن، سواء بين المرضى أنفسهم أو بينهم وبين المشرفين، يخلق بيئة عنف دائمة.

 

التحذير الأشد خطورة يتعلق بما بعد الخروج. فرويز يكشف أن بعض المرضى يحتفظون بأسلحة بيضاء داخل بيوتهم، تحسبًا لأي خلاف بسيط قد ينفجر، وقد يؤدي إلى اعتداء على الأب أو الأخ، بل إلى القتل، وهو ما حدث بالفعل في جرائم متعددة، خاصة مع انتشار مخدرات مستحدثة تُسبب اضطرابات عقلية وتُضعف الإدراك. هنا تتحول المصحات غير المرخصة من خطر على المرضى إلى خطر مباشر على المجتمع.

 

احتجاز مربح وفشل قانوني: أين الدولة؟

 

من زاوية قانونية، ترى الخبيرة القانونية إلهام المهدي أن حادثة الهروب الجماعي من إحدى مصحات المريوطية لا يمكن اختزالها في إطار أمني أو إنساني عابر. ما حدث يعكس أزمة أعمق ذات أبعاد قانونية ومجتمعية، تكشف خللًا مركبًا في ثلاث دوائر: المصحات الخاصة، ودور الدولة، ومسؤولية المجتمع.

 

المهدي تؤكد أن كثيرًا من هذه المصحات تحولت إلى مشروعات احتجاز مربحة، تستغل خوف الأسر ويأسها، وتعمل دون الالتزام بأبسط المعايير الطبية. لا أطباء نفسيين متخصصين، ولا برامج علاج معتمدة، في مخالفة صريحة للاشتراطات القانونية. الأخطر هو ممارسة الاحتجاز القسري دون موافقة مكتوبة أو سند قانوني، في انتهاك واضح لقانون الصحة النفسية، مع تبرير التقييد والحبس الانفرادي والإهانة تحت مسمى “كسر الإدمان”.

 

وتضيف أن الاستغلال المالي جزء أساسي من المنظومة: تحصيل مبالغ طائلة دون تقديم علاج حقيقي، بينما يُهان المريض في أبسط حقوقه الإنسانية. هذه الإهانات، كما يحذر الخبراء، تترك آثارًا نفسية مدمرة، وتدفع بعض المرضى للتفكير في الانتقام بدل التعافي.

 

فرويز يشدد بدوره على أن التعافي الحقيقي لا يكون بالإجبار، بل برغبة الشخص نفسه، بحيث يرفض المخدر حتى لو عُرض عليه لاحقًا. ما يحدث في هذه المصحات ليس علاجًا، بل إبعاد قسري لثلاثة أو أربعة شهور، دون معالجة نفسية أو طبية، بل إن بعض العاملين يتعاطون المخدرات أمام المرضى، في مشهد يهدم أي فرصة للتعافي.

 

في النهاية، الإدمان مرض مزمن ممتد وقد يكون قاتلًا، كما تصنفه منظمة الصحة العالمية. الدخول فيه قد يكون بإرادة الشخص، لكن الخروج منه يحتاج علاجًا متخصصًا طويل المدى، لا عنفًا ولا احتجازًا.

استمرار هذه المصحات بلا رقابة يعني استمرار إنتاج “قنابل موقوتة” داخل البيوت، وتهديدًا مباشرًا للسلم المجتمعي. السؤال الذي يفرض نفسه الآن: إلى متى يظل هذا الجحيم مفتوحًا باسم العلاج، ومن يحاسب من حوّل معاناة المرضى إلى تجارة مربحة؟