في خطوة غير مسبوقة أثارت موجة واسعة من الجدل، استبعدت الأكاديمية العسكرية المصرية 179 إمامًا وخطيبًا من الالتحاق بالدورة التدريبية المؤهلة للتعيين في وزارة الأوقاف، رغم اجتيازهم كل الاختبارات المقررة، سواء التحريرية أو الشفوية أو الرياضية أو الطبية، ضمن مسابقة أعلنت عنها الوزارة في فبراير 2024 لتعيين ألف إمام وخطيب.
الأئمة المستبعدون، وعدد منهم حاصل على درجات علمية عليا، أكدوا في شهاداتهم لـ«مدى مصر» أن الاستبعاد تم بناءً على أسباب شكلية مثل زيادة بسيطة في الوزن لا تتجاوز 3 إلى 5 كيلوجرامات عن الوزن المثالي، أو بسبب حصول البعض على إعفاء طبي من أداء الخدمة العسكرية، وهي معايير لم تكن مذكورة ضمن إعلان المسابقة أو لوائح التعيين، كما لم تُطبّق على الدفعات السابقة.
ورغم إرسال شكاوى وتلغرافات إلى رئاسة الجمهورية ووزارة الأوقاف، لم يتلق المستبعدون أي رد رسمي، كما لم تُنشر معايير "كشف الهيئة"، ما أثار تساؤلات واسعة حول مبدأ تكافؤ الفرص والشفافية في التوظيف.
كواليس المسابقة: من الانتقاء الإلكتروني إلى الاستبعاد المفاجئ
تقدّم للمسابقة أكثر من 22 ألف إمام وخطيب، معظمهم يعملون بعقود مؤقتة أو على بند المكافأة. خضع المتقدمون لاختبار إلكتروني في أغسطس 2024، اجتازه 1500 مرشح، ثم انتقلوا إلى المرحلة الشفوية في يونيو 2025، أمام لجنة من قيادات وزارة الأوقاف. بعد ذلك، اختير 580 إمامًا للالتحاق بالدورة التدريبية التي تنظمها الأكاديمية العسكرية المصرية.
الدكتور رمضان عفيفي، المشرف على الدورة من وزارة الأوقاف، أنشأ مجموعة على تطبيق واتساب أبلغ فيها المؤهلين بضرورة تقديم مستندات شخصية وعائلية، تمهيدًا لبدء الإجراءات. الأئمة خضعوا بعد ذلك لكشف طبي شامل داخل الأكاديمية، شمل 11 تخصصًا، من بينها الرمد والجراحة والتحاليل و"عيادة التناسق" الخاصة بقياس الوزن والطول.
كما أدوا اختبارات رياضية شاقة تضمنت الجري لمسافة كيلومتر ونصف خلال 6 دقائق، أداء 40 تمرين ضغط، و40 تمرين بطن، و10 تمارين عقلة، واختبار سرعة لمسافة 100 متر خلال 12 ثانية، على غرار اختبارات طلاب الكلية الحربية.
أحد المستبعدين، الإمام علي (اسم مستعار)، قال إن طوله 177 سم ووزنه 80 كجم، أي بفارق 3 كجم فقط عن الوزن المثالي، لكنه فوجئ باستبعاده في مرحلة كشف الهيئة دون إبداء أسباب مكتوبة.
وزارة الأوقاف تتنصل.. والأكاديمية ترفض التعليق
عند التواصل مع الجهات الرسمية، تنصلت وزارة الأوقاف من المسؤولية، إذ صرّح أحمد النبوي، الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، بأن معايير القبول والاستبعاد في الدورة التدريبية "شأن داخلي خاص بالأكاديمية العسكرية"، وأن الوزارة لا تتدخل فيها، رغم أن أحد ممثليها كان حاضرًا في لجنة كشف الهيئة.
رفضت الأكاديمية العسكرية أيضًا الرد على استفسارات الصحفيين حول أسباب استبعاد 179 إمامًا رغم اجتيازهم المراحل السابقة، ما ترك علامات استفهام واسعة حول الجهة صاحبة القرار النهائي.
صدى واسع وانتقادات لاذعة على منصات التواصل
أثار القرار موجة من الانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي، واعتبره كثيرون نموذجًا لما وصفوه بـ"التنمر المؤسسي" و"عسكرة الوظائف المدنية".
الشيخ الدكتور محمد الصغير علّق بسخرية على القرار:
الأكاديمية العسكرية تستبعد 179 إمامًا وخطيبًا بسبب الوزن أو الإعفاء الطبي.. رغم اجتيازهم كل الاختبارات. لو طُبقت هذه المعايير على وزير الأوقاف – خصوصًا بدون العمامة الدزرية – هل سيكون لائقًا عسكريًا؟! #مصر_التي...
الأكاديمية العسكرية تستبعد 179 إماما وخطيبا خلال كشف الهيئة، بسبب الوزن المثالي للطول والوزن أو الإعفاء الطبي من الخدمة العسكرية، رغم اجتيازهم الاختبارات الرياضية والنفسية والإلكترونية والشفوية.
— د. محمد الصغير (@drassagheer) January 13, 2026
لو طبقت هذه المعايير على وزير الأوقاف -لاسيما بدون العمامة الدزرية- هل سيكون لائقا… pic.twitter.com/6Arkq7juUL
كما نشر حزب «تكنوقراط مصر» تغريدة جاء فيها:
التنمر أصبح منهجًا للحكم... الأكاديمية العسكرية تستبعد 179 إمامًا رغم اجتيازهم كل الاختبارات، بسبب الوزن أو الإعفاء الطبي. الوزارة تؤكد أن القرار يعود للأكاديمية فقط. هذا بالنسبة للوزن، فماذا عن الطول؟!
التنمر اساس الحكم...
— حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) January 12, 2026
الأكاديمية العسكرية تستبعد 179 إماما وخطيبا خلال كشف الهيئة، بسبب تجاوز الوزن المثالي أو الإعفاء الطبي من الخدمة العسكرية، رغم اجتيازهم الاختبارات الرياضية والنفسية والإلكترونية والشفوية، وفق موقع «مدى مصر»
وأكد مصدر في وزارة الأوقاف للموقع أن مسألة القبول… pic.twitter.com/4gSQZRjGYz
قناة الشرق أعادت نشر الخبر مع تعليق لافت:
الأكاديمية العسكرية تستبعد 179 إمامًا وخطيبًا.. رغم اجتيازهم كل مراحل التقييم. قرار يثير الجدل حول دور المؤسسة العسكرية في تعيين المدنيين.
الأكاديمية العسكرية تستبعد 179 إماما وخطيبا خلال كشف الهيئة، بسبب تجاوز الوزن المثالي أو الإعفاء الطبي من الخدمة العسكرية، رغم اجتيازهم الاختبارات الرياضية والنفسية والإلكترونية والشفوية، وفق موقع «مدى مصر»
— قناة الشرق (@ElsharqTV) January 12, 2026
وأكد مصدر في وزارة الأوقاف للموقع أن مسألة القبول أو الاستبعاد من حضور… pic.twitter.com/Ls7ng7L8o2
الباحث محمد إلهامي ذهب أبعد من ذلك في تغريدة مطولة:
في مصر السيسي.. صارت معايير العسكرية يُحاكَم إليها أهل العلم والدين! الأكاديمية كانت سترفض عبدالله بن عمر وعبدالله بن عمرو بن العاص بسبب الوزن! هذا ليس حكم عسكر.. هذا نسخة عبثية من التسلط.
من بلاء هذا الزمان على أهل مصر أن #السيسي_عدو_الله يسعى في "تنظيم" الغباء، أي جعل الغباء نظاما!!
— محمد إلهامي (@melhamy) January 12, 2026
وهذا الخبر الغريب العجيب المريب، هو من هذا النوع.. قد صارت معايير العسكرية يُحاكَم إليها أهل العلم والفقه والدين..
ولقد تأملتُ وسرح بي الخيال، ماذا لو كان عدو الله هذا قد بُعث في… pic.twitter.com/ijKiKHqXR9
الشيخ عصام تليمة كتب باقتضاب:
تخسيس الخطاب الديني.. الأكاديمية العسكرية تستبعد 179 إمامًا وخطيبًا!
تخسيس الخطاب الديني.. الأكاديمية العسكرية تستبعد 179 إماما وخطيبا بسبب ا... https://t.co/vRL2UkDadu عبر @YouTube
— عصام تليمة (@essamt74) January 12, 2026
فيما قال أحد المغردين ساخرًا:
وشيخ الأزهر؟ هيخضع لكشف الهيئة في الأكاديمية العسكرية؟ وينزل بالشرط؟!
هههههه طيب وشيخ الأزهر،،برضه ليهم كشف هيئة في الأكاديمية العسكرية،،وهينزل بالشورط 😅😅😅
— Ali🐬الحساب الجديد (@AliAli938908) January 12, 2026
خبراء قانونيون: استبعاد تعسفي وتمييز محظور دستوريًا
أكد محامون وخبراء في مجال العمل أن ما حدث يمثل انتهاكًا واضحًا لمبدأ تكافؤ الفرص وخرقًا للدستور. المحامي خالد علي قال إن "استبعاد المواطنين من الوظائف العامة لأسباب تتعلق بالوزن أو الطول أو الإعفاء الطبي، دون نص قانوني، يُعد تمييزًا صريحًا ومخالفة لمعايير العمل الدولية".
وأضاف: "إما أن تعيّنهم الدولة أو تمنحهم ضمانًا اجتماعيًا أو معاش بطالة. لا يجوز التنكر لهم بهذا الشكل، وهم يعملون في المساجد بعقود مؤقتة منذ سنوات دون أي تأمينات أو حقوق."
صابر بركات، خبير الحريات النقابية في منظمة العمل الدولية، شدد على أن "التمييز على أساس السمات الجسدية مرفوض دوليًا ومحليًا"، مطالبًا الأئمة المستبعدين باللجوء إلى القضاء الإداري.
لكن المحامية هدى نصر الله من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قالت إن فرص الإنصاف القانوني محدودة، مشيرة إلى أن محاكم مجلس الدولة رفضت في 2023 طعونًا تقدمت بها المبادرة لصالح معلمين تم استبعادهم من التعيين لأسباب مشابهة.
"المحكمة رأت أن الأكاديمية لها صلاحية وضع المعايير، حتى إن لم تُذكر مسبقًا في إعلان المسابقة، وهو ما يجعل احتمال كسب قضايا مشابهة ضعيفًا"، بحسب نصر الله.
ختامًا: تساؤلات بلا إجابات ومصير مجهول للمستبعدين
في ظل صمت الأكاديمية وتهرّب وزارة الأوقاف، يبقى مصير 179 إمامًا وخطيبًا معلّقًا. تم استبعادهم بعد اجتيازهم كل مراحل التقييم، فقط لأن وزن بعضهم زاد قليلًا أو لأنهم حصلوا على إعفاء طبي مشروع.
القرار، الذي يوصف بأنه غير مبرر قانونيًا ولا موضوعيًا، يفتح الباب أمام مزيد من التساؤلات حول تدخل المؤسسة العسكرية في شؤون التوظيف المدني، ومستقبل منظومة التعيين في قطاعات حيوية مثل الدعوة والتعليم.

