كشف تتبع حركة طائرات الشحن المرتبطة بالإمارات تحولًا جذريًا في مساراتها المتجهة إلى شرق ليبيا، بعد أن توقفت تمامًا عن عبور الأجواء السعودية والمصرية منذ 6 يناير الجاري، ولجأت لمسارات أطول وأكثر التفافًا عبر إثيوبيا وأرض الصومال وتشاد.

هذا التحول تزامن مع لقاءات تنسيقية رفيعة بين القاهرة والرياض حول ملفات غزة والسودان والصومال، ومع تقارير دولية سابقة تتهم هذه الرحلات بنقل إمدادات عسكرية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: ما الذي حدث في الكواليس؟ وهل ما يجري خطوة لحماية الأمن القومي المصري أم مجرد استجابة لإيقاع سعودي في صراع النفوذ مع أبوظبي؟ والأهم: لماذا يلتزم نظام السيسي صمتًا كاملًا إزاء تحرك بهذا الحجم يمس مجاله الجوي وحدوده الغربية؟

 

من مسار “طبيعي” عبر مصر والسعودية.. إلى التفاف طويل عبر الصومال وإثيوبيا

 

القصة بدأت كما يرصد “صحيح مصر” مع الطائرة العسكرية طراز Ilyushin Il-76TD برقم التسجيل (EX-76003)، التابعة لشركة “فلاي سكاي” المسجلة في قيرغيزستان، والمرتبطة في تقارير خبراء مجلس الأمن برحلات مشبوهة لنقل أسلحة إلى ليبيا بين 2020 و2021، كما سبق رصدها ضمن مسارات إمداد قوات الدعم السريع في السودان.

في 5 يناير أقلعت الطائرة من مطار العين الإماراتي إلى مطار الكُفرة شرق ليبيا، عابرة الأجواء السعودية ثم المصرية، قبل أن تغلق جهاز الإرسال فوق مصر وتختفي حتى الهبوط.

 

بيانات مطار الكُفرة أكدت هبوط طائرة مجهولة في اليوم نفسه ومغادرتها في اليوم التالي، ما يرجّح أنها الطائرة ذاتها، خاصة أن سجلات نوفمبر وديسمبر أظهرت عبورها الروتيني للأجواء المصرية والسعودية في ما لا يقل عن 12 رحلة مماثلة.

الأمر نفسه تكرر مع طائرة شبيهة (EX-76017) عادت من ليبيا إلى الإمارات في 5 يناير عبر الأجواء المصرية، لتكون آخر رحلة بهذا المسار المباشر حتى الآن.

 

لكن ابتداءً من 6 يناير – أي بعد أقل من 24 ساعة على اجتماع وزير الخارجية السعودي مع السيسي لتنسيق المواقف بشأن غزة والسودان والصومال – توقفت هذه الرحلات عن استخدام الأجواء المصرية والسعودية في طريقها إلى شرق ليبيا، واتجهت إلى مسارات بديلة أكثر طولًا: في 8 يناير غادرت (EX-76003) قاعدة “الريف” في أبوظبي إلى “بوصاصو” في أرض الصومال، حيث توجد قاعدة إماراتية، ثم اختفت، قبل أن تعود بالمسار نفسه. وفي 10 و11 يناير سلكت مسارًا يمر عبر إثيوبيا وجنوب السودان وتشاد قبل الكُفرة، مع التزام المسار الالتفافي ذاته في رحلة العودة.

 

“هرار ميدا” و“داير داوا”.. نقاط ارتكاز لوجستية جديدة في إثيوبيا

 

تتبع “صحيح مصر” كشف أن المطارات الإثيوبية، وعلى رأسها مطار “داير داوا” وقاعدة “هرار ميدا”، تحولت إلى نقاط ارتكاز رئيسية لهذا الأسطول بدل المرور شمالًا فوق مصر والسعودية.

الطائرة (EX-76017) مثلًا اتخذت منذ 9 يناير مسار “أرض الصومال – إثيوبيا”، وهبطت في “داير داوا”، ثم اختفى إرسالها ثلاث ساعات ونصف قبل أن تظهر مجددًا في الأجواء الإثيوبية، في ما يشبه رحلة ذهاب وعودة إلى وجهة مجهولة، قبل أن تعود إلى هرجيسا في أرض الصومال.

 

طائرة أخرى أثقل، (EW-383TH) التابعة لشركة Rubystar البيلاروسية الخاضعة لعقوبات أمريكية بسبب نقل قوات روسية ومروحيات عسكرية لدول أفريقية، أقلعت في 13 يناير من قاعدة “الريف”، وأطفأت جهاز الإرسال قرب الحدود الصومالية–الإثيوبية، وهو المسار الذي تكرره في عشرات الرحلات التي تمر من أرض الصومال إلى إثيوبيا عبر داير داوا وهرار ميدا.

 

ورغم أن الحكومة الصومالية أعلنت في 11 يناير حظر دخول الطيران العسكري وطائرات الشحن المملوكة أو المستأجرة من الإمارات، وإنهاء الاتفاقيات في موانئ بربرة وبوصاصو وكسمايو، استمرت الطائرات المرتبطة بأبوظبي في استخدام المجال الجوي لأرض الصومال، الكيان غير المعترف به دوليًا لكن المرتبط بعلاقات خاصة بالإمارات.

 

كما رُصدت الطائرة (EX-76026) التابعة لشركة New Way Cargo – التي تستخدمها الإمارات بكثافة – تهبط في قاعدة “هرار ميدا” بأديس أبابا قادمة من “الريف” في 11 يناير، رغم أن تتبعها أوقف على مواقع رصد الطيران منذ أكتوبر 2025 بطلب من المشغل، قبل أن تكشف حسابات متخصصة عن نشاطها في الأجواء الإثيوبية.

 

في الخلفية، تشير حسابات مراقبة الطيران إلى أن أبوظبي كثّفت رحلاتها إلى شرق ليبيا بين 1 و5 يناير برحلتين يوميًا، في أعلى معدل منذ سقوط الفاشر في أكتوبر، وكأنها تستبق تقييدًا وشيكًا للمسار التقليدي فوق مصر والسعودية.

 

هل هو انحياز ضد مصر أم ورقة ضغط لم تستخدمها القاهرة؟

 

المعطيات الملاحية تُظهر بوضوح أن تجنّب الأجواء المصرية والسعودية انتقائي: الطائرات نفسها تمر عاديًا في أجواء البلدين عندما تكون وجهتها غير شرق ليبيا، كما حدث مع (EX-76003) في رحلة من مطار “الوجه” السعودي إلى أبوظبي في 7 يناير.

ما يعني أن “الحظر” مرتبط بمسارات بعينها يُشتبه بأنها تستخدم لتموين شرق ليبيا، حيث يسيطر على مطار الكُفرة فصيل “سبل السلام” التابع لصدام حفتر، الذي زار القاهرة في 11 يناير والتقى وزير الدفاع ورئيس الأركان.

 

هذا يفتح بابًا لتفسيرين رئيسيين:

 

  • رسالة مشتركة سعودية–مصرية لأبوظبي بأن تمرير شحنات عسكرية إلى شرق ليبيا – وسط اتهامات بتسليح أطراف في السودان أيضًا – لم يعد مقبولًا عبر مجالهما الجوي، خاصة مع تنسيق متزايد بين الرياض والقاهرة في ملفات السودان وغزة والقرن الأفريقي.

    في هذا السيناريو، القرار يبدو في مصلحة الأمن القومي المصري، لأنه يحدّ من قدرة الإمارات على استخدام ليبيا والسودان ساحة صراع على الحدود الغربية والجنوبية لمصر.

     
  • أو أن القاهرة مجرّد “ملحق مسار” للقرار السعودي؛ أي أن من أغلق الباب فعليًا هو الرياض، وأن مصر تبعت المسار بحكم ارتباطها المالي والسياسي بالسعودية، من دون أن تبلور رؤية مستقلة أو تعلن سياسة واضحة للرأي العام، مكتفية بالصمت بينما تُستخدم أجواؤها – قبل التقييد وبعده – في لعبة نفوذ لا تملك فيها الكلمة العليا.

 

في الحالتين، تبقى “سلبية السيسي” لافتة: لا بيان رسمي يشرح ما جرى، لا إعلان عن إعادة تقييم للعلاقة العسكرية مع الإمارات، ولا مصارحة للمصريين بحجم المخاطر التي مثّلها مرور رحلات شحن مشبوهة فوق سمائهم لسنوات، ولا عن مغزى التحول الحالي.

 

الصورة الأوسع أن مصر تجد نفسها بين شريكين خليجيين متصارعين على النفوذ في ليبيا والسودان والقرن الأفريقي، بينما نظامها غارق في الارتهان الاقتصادي لأبوظبي والمالي للرياض، فيبدو أقرب إلى ساحة تمرّ فوقها الطائرات وقرارات الغرف المغلقة، لا دولة تملك إرادة واضحة تعلنها وتدافع عن أمنها القومي بقرار معلن، لا بحركة صامتة على شاشات رادارات مراقبي الطيران.